من كان يظن أن المخابرات الأمريكية قد يتم اختراقها ؟

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "واشنطن بوست"ديفيد اغناطيوس

 

 

تكمن قصة مثيرة للدهشة وراء اعتراف ضابط سابق بالمخابرات الأمريكية بأنه قد تآمر لصالح الصين للتجسس على أمريكا وتبرئة ضباط آخرين كان قد سبق الاشتباه بهم عن طريق الخطأ في كونهم جواسيس للصين.
لكن الغريب في الأمر أن القصة يغلب عليها الطابع الكلاسيكي، إذ أنها تشبه كثيراً ما نراه في الأفلام القديمة التي يسعى فيها المشتبه به إلى إيجاد الشرير الحقيقي لتبرئة نفسه. لسوء الحظ تبقى معظم تفاصيل القصة الحقيقة سرية في مكتب المدعي العام الأمريكي أو في ملفات المخابرات المركزية، لكن مصادرنا الموثوقة التي على دراية بالأحداث قد صورت أجزاء القصة المصرح بتداولها.
في اليوم الأول من شهر مايو أقر جيري تشن شينغ لي الذي كان يعمل ضابطاً في المخابرات الأمريكية في الفترة من عام 1994 إلى عام 2007 بأنه مذنب في التآمر مع المخابرات الصينية لتسلميهم معلومات سرية. لم يتناقش المسؤولون الأمريكيون حول الضرر الفادح الذي سببه جيري من جراء فعلته، لكن خبراء المخابرات يعتقدون أنه كان جزءً من عملية تجسس صينية كبيرة كان الهدف منها هو كشف العناصر التابعة للمخابرات الأمريكية في الصين، والتي أدت إلى كشف واعتقال وإعدام ما لا يقل عن 20 ضابطاً من ضباط المخابرات الأمريكية داخل الصين. أما بالنسبة لجهاز مخابرات مثل المخابرات الأمريكية فإن هذا الأمر في غاية السوء بالنسبة لهم.
يأتي حل قضية جيري في الوقت الذي تهدد فيه إدارة ترامب بتصعيد حربها التجارية ضد بكين لإجبار الصين على التوقف عن سرقة الأسرار التجارية والسماح بتجارة عادلة وأكثر إنصافاً بين البلدين، ونتيجة لذلك ستؤول المفاوضات إلى نهايتها وخاصة بعد تهديد إدارة ترامب برفع الرسوم الجمركية إلى 25 بالمائة على المنتجات الصينية بما يقدر بقيمة 200 مليار دولار.

لقد عكرت تكتيكات ترامب الصارمة وأحياناً الخاطئة في المساومات صفو الأسواق المالية، ولكن كما تظهر قضية جيري فإن الصينيين ليسوا ضحايا أبرياء على الإطلاق؛ فلقد تمكنوا من التوغل في أعماق المخابرات الأمريكية لسرقة أغلى أسرارها.
أقر جيري بأنه مذنب في تهمة واحدة فقط من تهم التآمر التي قد وجهت له، وقالت النيابة العامة إن موافقته على الاعتراف الموثق بالأدلة لا يعني سرده للحقيقة كاملة فيما يخص قضيته، و رداً على السؤال المطروح حول ما إذا كان جيري قد وافق على التعاون مع المخابرات الأمريكية في تبادل معلومات إضافية، فقد قال محاميه إدوارد مكماهون: “لا يوجد في اتفاق جيري على الاعتراف ما ينص على هذا التعاون”.
بدأت عملية البحث عن الجاسوس الصيني بعد أن بدأت المخابرات الأمريكية تفقد عناصرها الرئيسية في الصين منذ عام 2010، تلك الظاهرة التي حدثت بالتزامن مع التقاء جيري للمرة الأولى بضباط المخابرات الصينية في شهر أبريل من نفس العام. ذلك الأمر الذي جعله تحت دائرة الشك والاشتباه على الفور من ذلك الحين. أما المشتبه به الآخر فهو الضابط الأعلى السابق في القضية والذي قد خدم في الصين عندما كان يتم تجنيد شبكة كبيرة من الجواسيس هناك، وتمت تبرئته في نهاية المطاف.
لقد تم اكتشاف تورط جيري بسبب خطأ فادح من قبل جاسوس صيني كشف عن اتصالهم مع جيري. حدث ذلك في تايلاند عام 2013 عندما حاول عميل سري تابع للصين تجنيد احدى العملاء السريين السابقين بالمخابرات الأمريكية والتي قد سبق لها العمل مع الضابط الأعلى بالقضية، والتي اكتشفت أن شخصاً ما قد قام بإعطاء اسمها إلى ذلك العميل السري، وقالت بأنه من المؤكد أن من قام بهذه الفعلة هو جيري؛ لأن ذلك العميل قد وقع بلسانه عند محاولة تجنيدها بقوله: “لا، أنا لا أتعامل مع جيري. إنه في فريق آخر”.
أبلغت العميلة السرية السابقة وزميلها عن المحادثة على الفور إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي أضاف دليل قضية تايلاند إلى ملف القضية الخاص بجيري، ووفقاً لما ذكرته النيابة العامة فإنه في عام 2012 قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بنسخ دفاتر الملاحظات وكذلك ذاكرة بيانات محمولة قد قام جيري بإحضارهم معه إلى هاواي، ذلك الأمر الذي ساعد على إدانة جيري الأسبوع الماضي.
لقد نجحت المخابرات الأمريكية في تضييق الخناق على جيري، ولو لم يبدي موافقته على الاعتراف لكان مصيره هو المواجهة بالأدلة القاطعة الخاصة بالاجتماع السري في تايلاند، واعتراف العميل السري الصيني بعلاقتهم به.
إن الأضرار الناتجة عن هذه القضية ما زالت مفزعة للمخابرات الأمريكية. إذ صرح مسؤول سابق “لقد قضوا علينا في الصين وتم التخلص من كل الشبكات التي كانت لدينا هناك”، ويتوقع المسؤولون أن الصينيين ربما استخدموا اتصالاتهم مع جيري للكشف عن أسرار الاتصالات والتجسس الخاصة بهم، وقال المسؤول السابق “لقد كانت ضربة مزدوجة لمصادرنا البشرية وكذلك مصادرنا التقنية”. لقد أصبحت قضية الجاسوس الصيني قضيةً عامة ولن تستطيع المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها.
على صعيد آخر فإن اكتشاف العناصر الأمريكية في الصين وتعرضهم للاعتقال والإعدام يظل نتيجة للخطأ الفادح اللي اقترفه جيري. ذلك الأمر الذي أثار الشكوك حول ارتكباه للعديد من عمليات القتل، ولقد عقب مكماهون قائلاً: “إذا أراد أحد أن يتهم موكلي بقتل أشخاص فعليه إرفاق أسمائهم بهذه التهمة، كما أن هذا الاتهام ليس جزءً من هذه القضية”.
هنا نصل إلى اللغز الأخير في هذه القضية. يقول الخبراء أنه في اجتماع تايلاند قام العميل الصيني بسؤال ضابطة المخابرات السابقة عن قضايا لم يكن جيري على علم بها. هذا الأمر الذي يؤدي بنا إلى تساؤل أكثر غرابة وغموضاً: هل كان هناك جاسوس آخر متوغل بشكل أعمق في المخابرات الأمريكية؟
قد لا نعلم إجابة هذا السؤال في الوقت الراهن، ولكن تبقى الحقيقة أن التجسس الحقيقي أكثر رعباً مما يتم تصويره في قصص التجسس الخيالية.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.