اقتصاد بريطانيا في تراجع مستمر

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "بلومبرج" الإخبارية ماركوس أشورث

 

نظراً لما آلت إليه الأمور مؤخراً بشأن المماطلة المستمرة في قرار انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروربي فقد أصبح الجنيه الإسترليني في مأزق كبير، والذي بدوره يؤدي إلى تراجع مستمر في الاقتصاد البريطاني. ربما يُحدث التنافس على اختيار القائد الجديد لحزب المحافظين في بريطانيا والذي بدأ بجدية يوم الاثنين الماضي تغيراً في قيمة العملة.
سيتولى الفائز منصب رئيس الوزراء بديلاً عن تيريزا ماي، والتي عانت إدارتها من إخفاقات متكررة بشأن الوصول إلى اتفاق لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. إن حقيقة أن العديد من المرشحين الذين سيحلون محلها وعلى رأسهم بوريس جونسون سيسعدون بالسماح لبريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي دون اتفاق لهو أمر مفزع أثار قلق تجار العملات الأجنبية. لكن الكثير من الناس سيرحبون بأن تصبح الأمور واضحة حتي وإن كان ذلك سيترتب عليه انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأروربي بشكل صعب.
لا أخفي عليكم سراً، إن عدم الاستقرار بشأن الانفصال يؤدي إلى قتل الاستثمار وانحدار السوق في المملكة المتحدة. أما على الجانب الآخر فإن الناس يريدون فقط الانتهاء من دوامة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. يقول أحد أعضاء لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا ألا وهو مايكل سوندرز بأن الاقتصاد على الأرجح سوف ينتعش ويصبح في زيادة كبيرة على الطلب على مدى العامين أو الثلاثة أعوام القادمة إذا تحقق انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأروربي بشكل سلس، والذي بدوره سيضمن ارتفاع قيمة الفوائد.
إن الاعتقاد بأن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي سوف يتم بالطريقة الصحيحة التي تسعى لها بريطانيا أو الأمل في كون أن بديل تريزا ماي سوف يقضي على الجمود البرلماني تجاه القضية لهو اعتقاد يصعب تصديقه أوالإيمان به. لا يزال تجار الجنيه الإسترليني يسعرونه في ظل الارتباك الناجم عن ضعف التطورات في استراتيجة انفصال بريطانيا واحتمالية تأجيل تاريخ الانفصال مرة اخرى، ويعتبر انفصال بريطانيا بدون اتفاق لهو أبرز خيار في حساباتهم. في الوقت الحالي، سيبقي الجنيه الاسترليني كما هو مؤخراً تتراوح قيمته بين 1.25 دولار و 1.33 دولار.
إن السيناريو المأساوي المروع بالنسبة للتجار هي حدوث انتخابات عامة والتي يبدو فيها أن زعيم حزب العمال اليساري المتشدد جيريمي كوربين عاكفاً على شارع داونينج ستريت، ومن ثم المتوقع هو أن تنخفض قيمة الجنيه الاسترليني إلى أقل من 1.20 دولار.

مع ذلك فإن حزب المحافظين الحاكم لا يزال لديهم حركة أخيرة واسم واحد من بين المنافسين العشرة ليحل محل تريزا ماي ألا وهو جونسون وزير الخارجية السابق ورئيس بلدية لندن. إن معظم المخاوف التي تنتابهم حول جونسون هو تقبله لإمكانية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق في الواحد والثلاثين من شهر أكتوبر إذا لم تتخلى بروكسل عن اتفاقها مع تريزا، مع توقع الكثيرين لحدوث صدمة اقتصادية لبريطانيا إذا سمح بذلك. لكن الحقيقة هي أنه يجب أن نصل إلى المرحلة التي يكون فيها الانفصال بأي طريقة أفضل على أي حال من المفاوضات التي لا نهاية لها وما ينتج عنها من وعدم الاستقرار في الأعمال والأسواق.
في الواقع قد يوفر الفوز لبوريس جونسون دفعة مفاجئة للجنيه الاسترليني إذا أدى ذلك إلى انفصال بريطانيا بشكل أسرع. هناك بالتأكيد شعور بأننا قد نشهد انتعاشاً في الاستثمار الأجنبي المباشر من بلدان الشرق الأوسط وآسيا التي ظلت في انتظار لحظة انفصال بريطانيا، وأدت توقعات التجار بشأن التدفقات المالية المنتظرة إلى الحفاظ على الجنيه الاسترليني من السقوط حتى الآن.
هناك أسباب أخرى محتملة لانتعاش الجنيه الاسترليني نتيجة فوز بوريس. أولها أنه من المؤكد أن التخفيضات الضريبية التي وعد بها بالنسبة للأجور العالية لهي مشجعة على الاستثمار، كما يبدو أنه أقوى المرشحين القادرين على إعادة إحياء حزب المحافظين المنهار حالياً وإبقاء كوربين بعيداً عن السلطة. هذا بالإضافة لكون أعضاء حزب المحافظين المتوقع فوزهم في الانتخابات نادرين للغاية، ولا ننسى أن فترتي ولايته كرئيس لبلدية لندن تظهر أنه قد لاقى جاذبية وقبولاً كبيرأ.
إن معظم المتنافسين الآخرين والذين من بينهم جيريمي هانت وساجيد جوفيد لا يقدمون ماهو مختلف عما سبق أن قدمته تريزا ماي في السابق، كما أن وزير الخارجية الأسبق المسئول عن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي دومينيك راب متعصب بشكل مفرط ضد أوروبا حتى أكثر من جونسون نفسه.
على النقيض وهو الاحتمال الذي لا يمكن انكاره، فمن الممكن أن يتحول فوز جونسون إلى كارثة وقد لا يفوز من الأساس؛ فقد كانت مدة خدمته كوزير للخارجية مخزية جداً، كما أن تهديده بالامتناع عن دفع 39 مليار جنيه استرليني إلى الاتحاد الأوروبي للانفصال عنه ما لم يتم الوصول لاتفاق مرضي لهي مخاطرة كبيرة. هناك أيضاً فرصة قوية لأن يمنع البرلمان الانفصال بدون اتفاق على أي حال.
هنا يصبح السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الخطر الأكبر الذي يهدد ازدهار بريطانيا، هل هي سنوات من عدم الاستقرار والجدال حول شروط الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أم الانفصال الصريح الذي يهدد به جونسون؟ قد يكون الجنيه الاسترليني الآن في حالة يرثى لها، لكن لا ينبغي التقليل من الثمن الذي ينبغي دفعه للوصول إلى نتيجة واضحة وصريحة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.