حرب الصين من أجل البيئة

الرئيسية مقالات
آدم مينتر: "بلومبرغ" الإخبارية

 

 

القمامة هي حديث شانغهاي، فبدءاً من الاثنين الماضي تطلب المدينة من السكان والشركات فرز النفايات والمواد القابلة لإعادة التدوير في صناديق منفصلة. المهمة ضخمة، حيث إن شانغهاي تخرج أكثر من تسعة ملايين طن متري من القمامة سنوياً. وشأن كل مدينة وبلدة وقرية في الصين، فإن شانغهاي تفتقر إلى نظام أولي لإعادة تدوير المخلفات.
الصين ليست وحدها في هذا المضمار، فاعتباراً من عام 2018 كان البشر في طريقهم لإنتاج نفايات تتخطى ضعف معدل النمو السكاني حتى عام 2050، مع العلم أن معظم النمو السكاني يحدث في البلدان النامية. سواء كانت تلك الدول قادرة على إنشاء أنظمة إعادة تدوير رسمية أم لا، فسيكون ذلك أمراً بالغ الأهمية لإدارة النفايات في العالم وتقليل عواقبها البيئية. وستكون تجربة الصين أول اختبار حاسم.
في معظم أنحاء العالم، تعتبر الأرباح، لا المخاوف البيئية، هي الدافع الأول لإعادة التدوير، وهي عملية يجري تنفيذها بواسطة جامعي النفايات الذين يعملون لحسابهم الخاص. هي مهمة قذرة لكنها عالية الكفاءة، على سبيل المثال، في مدينة نانجينغ التي يسكنها تسعة ملايين نسمة وتقع على بعد 200 ميل من شانغهاي، قام جامعو النفايات بجمع ما يصل إلى 80 في المائة من المواد القابلة لإعادة التدوير في المدينة (نحو 500 ألف طن متري) حتى عام 2015.
إن النفايات تتكدس من دون هؤلاء العمال، وهذا ما تعلمته بكين من أزمتها عندما دفعت بمئات الآلاف من جامعي النفايات قبل أولمبياد 2008. ولسوء الحظ، مع زيادة ثراء الدول، أصبح جمع النفايات مهنة أقل جاذبية، وظهرت فرص عمل ذات ربحية أعلى، ناهيك عن أن أصحاب المنازل الأثرياء بطبيعتهم يبغضون رؤية جامعي القمامة يعبثون بالأكياس أمامهم. كذلك بات كثير من المدن يدفع بعيداً بشركات التدوير الصغيرة التي تشتري النفايات من جامعيها لتدعم بهم صناعة غير رسمية.
توقعت الحكومة الصينية هذه المشكلة عام 2000 وحددت ثماني مدن، من ضمنها شانغهاي، لتجربة برامج إعادة التدوير، وفشلت جميعاً فشلاً ذريعاً. لم تكن المدن تفتقر فقط إلى المعدات والمرافق اللازمة لإعادة التدوير، ولم يُمنح السكان أي حوافز لفرز القمامة ولم يسعَ أحد لمعرفة أهمية فرز النفايات. فهل يستمر الجهل بهذه القضية طويلاً؟ أفادت دراسة استقصائية جرت عام 2018 على 3600 شخص من سكان المدن الصينية الكبرى بأن ما يقرب من ثلاثة أرباعهم لم يتمكنوا من تحديد كيفية فرز القمامة بشكل صحيح لإعادة التدوير.
وبغض النظر عن كل تلك التجارب، فإن الحكومة لا تزال تحاول مرة أخرى. ففي عام 2017 أعلن «مجلس الدولة السياسي» القوي في الصين عن خطة لتشجيع «فرز القمامة» في المدن الكبرى في الصين، وترك المجلس التفاصيل للمسؤولين المحليين، وخلال العامين الماضيين، بدأ الكثير منهم في تنفيذ برامج تجريبية متواضعة.
تعد مبادرة شانغهاي الجديدة لإعادة التدوير الأكثر وضوحاً والأوسع نطاقاً في الصين. فبموجب هذه الخطة، يتعين على المواطنين فرز القمامة إلى أربع فئات منفصلة: نفايات الطعام، والمواد القابلة لإعادة التدوير، والنفايات الخطرة (مثل البطاريات والمصابيح الكهربائية) و«نفايات البقايا» (والتي تشمل كل شيء بدءاً من مسح الأرضيات إلى الفخار).
الأهم من ذلك هو أن النظام في شانغهاي هو نظام عام وعقابي فريد. لا يمكن للمقيمين التخلص من النفايات إلا خلال ساعات معينة، مما يضمن أن الجيران سوف يرون من يقوم بالفرز بشكل صحيح ومن لا يقوم. ويتعين عليهم تفريغ نفايات الطعام في صناديق عامة دون استخدام الأكياس، حتى يتمكن الجميع من رؤية ما يلقيه. تصل غرامات عدم الفرز إلى 200 يوان (ما يعادل 30 دولاراً). ويهدد المسؤولون بمنع جمع النفايات في جميع المدن حال لم يتقيدوا بالقواعد.
قضت شانغهاي أسابيع في استخدام كل أداة دعاية ممكنة تحت تصرفها، بدءاً من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الصحف المحلية وحتى الوطنية لتوضح للسكان سبب وكيفية إعادة تدوير النفايات. عبر موقع «سينا ويبو»، البديل الصيني لتويتر، أثيرت القضية مراراً، ونشرت تقارير تفيد بأن اللوائح الجديدة تنطبق على السياح الأجانب وباتت القضية تحظى بشعبية، وبدا أن الصينيين الأصغر سناً لديهم آراء إيجابية عن البرنامج، وإن كانوا يخشون أن يستغرق الأمر الكثير من الوقت.
لا يزال هناك الكثير من المتطلبات، فشانغهاي وغيرها من المدن لم تقم بإعداد البنية التحتية اللازمة لإدارة النفايات التي جرى فرزها بشكل صحي، فهي تتطلب شاحنات مصممة لنقل المواد القابلة لإعادة التدوير بعد الفرز، وتتطلب مرافق صناعية لإعادة التدوير والحرق السليم بيئياً ومواقع التسميد للفضلات العضوية. ويتطلب ذلك سنوات ومليارات على هيئة استثمار.
لكن حقيقة أن سكان شانغهاي يفكرون ويتحدثون عن النفايات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي تجمعاتهم وفي منازلهم هي في حد ذاتها تقدم ملحوظ، وهو أيضاً درس للدول النامية الأخرى لتخطو الخطوة الأولى في سبيل إنشاء نظام حديث لإدارة النفايات. تلك الخطوة هي تثقيف الجمهور وتعزيز الشعور بأن إعادة التدوير هي مسؤولية مدنية جماعية. إذا أراد العالم أن يتخلص من أكوام القمامة، فإن برنامج شانغهاي الجديد قد يكون نموذجاً. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.