موقف من الحياة

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

موقف من الحياة

 

من القواعد العلمية البديعة أن التغيرات الكمية المتتابعة تولّد بكثرتها تغيرات كيفية، وهذه القاعدة على بساطتها إلا أن لها دلالات واسعة ودوراً كبيراً في تطوير الذات؛ فالإنسان ليس فقط استجابة لظروف البيئة والمجتمع؛ وإنما هو مزيج عجيب من قدرات وإحساس وظروف خارجية وإرادة. وهذا الرأي ساد حديثاً في علم النفس المعاصر، حيث المسؤولية الفردية، والإرادة الإنسانية تولد في مجملها موقفاً من الحياة. إن رأياً كهذا يؤكد على تأثير الإنسان في ظروفه، وتأثير إرادته في توجيه مستقبله، بل لا نبالغ إذا قلنا تحديده، ورغم أن ظروف الإنسان لها تأثيرها الذي لا يمكن إنكاره؛ إلا أن إرادة الإنسان تستطيع أن تغير هذه الظروف، وأعرف من الناس من استطاع بإرادته أن يجعل الظروف وكأنها تترجم رغباته وتحقق أهدافه وطموحاته. إنه يكيف ذاته وفقاً للتغيرات، ويتحرك معها، ويستجيب لها بشكل جوهري.
ولعل هذا التكيف الذكي يقود إلى تقديم صورة مغايرة للصورة التقليدية القديمة، ويغاير الاستجابات المعتادة لمعظم الناس. إن هذا التكيف يولد قدرة على معالجة مشكلات الحياة، ولاسيما الحياة العملية، بعيداً عن الاستسلام والخضوع للظروف والأحوال. ولا يتولد هذا التكيف في غياب الإرادة التي توجه الظروف، وتحدد دروبها واتجاهاتها المختلفة.
إن العصر الذي نعيشه يحتاج إلى إنسان مختلف؛ إنسان يدرك طبيعة التحديات التي تواجهه، والتي تتطلب نوعاً من الذكاء الاجتماعي والتفكير الإبداعي، والوعي بالمبادئ الجوهرية وليس الانشغال بالمظاهر الشكلية، ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة فاهمة تفطن طبيعة الحياة ومتغيراتها.
وتأتي الثقافة على رأس الوسائل الفاعلة في توليد الإرادة، حيث لها أهميتها وقدرتها على إثارة الحماس الذاتي، وما ينبغي أن تتميز به من مرونة، فلا تجمد في حالة أو في موقف، ولا تتصلب أمام ظرف أو مشكلة مهما بلغ حجمها وعظم شأنها. وكلما تعمقت الثقافة نمت الإرادة، مما ينعكس على بناء شخصية متكاملة واعية ناضجة.
ومن القضايا الهامة في حياتنا والتي تتطلب إرادة في الفهم والوعي قضية التشكيك في قيمة الحياة، والعجيب أن هؤلاء المتشككين هم أكثر الناس خوفاً من الموت، والذي يرهب الموت ويشك في الحياة لا يصل إلى شيء أكثر من الاضطراب والفزع. والأمر يستلزم إرادة ووعياً لنجعل من حياتنا إنجازاً ظاهراً ملموساً يبث مزيداً من اليقين في قيمة الحياة.
إن الموقف من الحياة يتطلب تفكيراً هادئاً فيما نتعرض له من مشكلات، ووعياً بضرورة مقاومة الظروف التي تعوق تحقيق أهدافنا، وتأملاً لدروب حياتنا التي تقودنا إلى إنجازات تحسب لنا ولمجتمعنا، وتدفعنا إلى مزيد من التقدم والازدهار.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.