وعود تيريزا ماي المزيفة

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "بلومبرج" الإخبارية تريز رافايل

 

لقد كانت رئيسة الوزراء تيريزا ماي ذات شعبية كبيرة في وقت من الأوقات، لذا يصعب تدارك حقيقة أنها قد تنحت عن منصبها منذ أسبوعين ماضيين، ولكن هذه هي الحقيقة. لقد لاقت تيريزا ماي في البداية ترحاباً شديداً من قبل السياسيين والمواطنين الذين اعتبروها الخيار الأمثل والأنسب لقيادة بريطانيا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
ظهرت حقيقة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي والجمود السياسي الذي خيم على الأوضاع آن ذلك والذي لم تتمكن تيريزا من التصرف حياله، وسيذكر التاريخ فشل تيريزا ماي الذريع الذي أدى إلى زيادة الانقسامات الداخلية في البلاد وزعزعة وضعف مراكز السياسة البريطانية. لكن من العدل تقييم انجازات تيريزا ماي دون الفصل بين الأمور التي كانت تخضع لسيطرتها وبين الأمور التي كانت خارجة عن سيطرتها.
لم تكن تيريزا ماي واضحةً منذ البداية، لكنها سرعان ما أصبحت ذات شعبية كبيرة خلال الأشهر التالية للاستفتاء. لقد أظهرت استطلاعات الرأي في أغسطس 2016 حصولها على تأييد 48% من المشاركين، بينما حصلت على معارضة من قبل 36%. هذا وقد تغيرت الأمور تغيراً ملحوظاً في يوليو من نفس العام، فقد ارتفعت شعبيتها حيث حظت بتأييد 52% من المشاركين الذين اعتبروها أفضل رئيس وزراء ستحظى به البلاد، أما على الجانب الآخر فقد حظت بمعارضة 18% فقط الذين كان لهم نفس رأي رئيس حزب العمال جيريمي كوربين.
بالحديث عن خطاب تيريزا ماي بعد الاستفتاء، فقد كان الخطاب مؤثراً وموجهاً لبريطانيا بأسرها، ولكنه كان موجهاً بشكل خاص إلى أولئك الذين تضرروا لسنوات من التقشف وعانوا من الفجوة المتسعة بين مهاراتهم ومتطلبات أماكن العمل الحديثة، أولئك الذين رأوا في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي الأمل والخلاص، ورأت تيريزا ماي أن هذا هو هدفها ومسعاها.
لقد بدأت تيريزا تفقد شعبيتها عندما أصبحت نقاط قوتها التي كانت تتمثل في قوة شخصيتها وعزمها وولائها لحزبها مع القدرة على مقاومة الضغوطات هي أيضاً نقاط ضعفها. لقد كان الوجه الآخر لعزمها الشديد هو العناد، وكان الوجه الآخر لولائها للحزب هو عدم القدرة على اتخاذ القرارات التي لن تلقى قبولاً للجزء الأقل الذي يمتلك القوة، وأخيرأ كان الوجه الآخر من إحساسها بواجباتها هو حساسيتها للحلول الوسطية.
لم تقف الأمور عند ذلك الحد، فقد كان لتيريزا عدد قليل من الأصدقاء، وكانت تعتمد على مجموعة صغيرة جداً من المستشارين لدرجة أن زوجها فيليب فقط هو من كان يعرف أماكن تواجدها. كما أنها في علاقاتها لم تبدو على وفاق مع حزبها ومع شعبها، وكان أعضاء حكومتها غير مخلصين لها لدرجة أن المناقشات في الاجتماعات قد تسربت بتفاصيل مروعة.
لقد خرجت تيريزا ماي من تصويت انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي في 2016 باستنتاج مهم جداً والذي كان له عواقب وخيمة فيما بعد. لقد شعرت تيريزا أن الشعب يريد من الحكومة فرض سيطرتها على حدود بريطانيا، مما يعني إنهاء عضوية المملكة المتحدة في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وضمان حرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة. على الرغم من التباطؤ والتقاعس في اتخاذ القرارات تجاه الهجرة، فقد عقدت تيريزا العزم على إخراج بريطانيا من السوق الموحدة ومكافحة الهجرة من قبل العمال ذوي المهارات المنخفضة.
لقد تخطت تيريزا الخطوط الحمراء عندما فكرت في الانفصال عن السوق الموحدة وترك الاتحاد الجمركي الأوروبي قبل أن تفهم عواقب هذه القرارات، مما دفعها إلى تقديم ثلاثة وعود غير قابلة للتفاوض ولكن مع الأسف فقد كانت غير قابلة للتحقيق أيضأً.
وبالحديث عن هفوات رئيسة الوزراء تيريزا ماي في السنوات الثلاثة الماضية، فقد كان أولها الطعن في تصويت 48% الذين صوتوا بالبقاء في الاتحاد الأوروبي. أيضاً خطابها في مؤتمر الحزب عام 2018 التي استنكرت فيه غوغائية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودافعت فيه عن الرأسمالية. كما أنها لم تلتزم بالحفاظ على الوسطية في خطاباتها. لقد انصب اهتمام تيريزا بقضية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بالشكل الذي جعلها تهمل القضايا الأخرى.
على الرغم من صمودها وتصميمها الذي لا يمكن إنكاره، إلا أنها لم تحقق أياً من الأهداف التي حددتها قبل توليها منصب رئاسة الوزراء، مثل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاتحاد مع اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية.
أما بخصوص السؤال عن أين اخطأت تيريزا ماي فما هو إلا سؤال أكاديمي لا يمت للواقع بصلة. لقد شتت المحافظون أنفسهم على أوروبا لسنوات، وأدى النزاع حول العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إنهاء المسيرة المهنية للقادة والزعماء منذ ترك تاتشر لمنصبه في عام 1990. لقد تمكن الحزب من أن يصبح نشطاً فعالاً في الأزمة، ووجد طرقاً لمنع الانقسامات الأيديولوجية من تمزيقه والتمكن منه. لكن الجدير بالذكر أن مدة حكم تيريزا ماي جعلتهم أسوأ.
على الرغم من الدراما التي عاشتها بريطانيا الأشهر الأخيرة، إلا أن المفاوضات الأكثر صعوبة بشأن كيفية إنفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي لم تبدأ بعد. في العامين المقبلين ستتفاوض المملكة المتحدة حول علاقاتها التجارية المستقبلية مع أقرب جار لها وأكبر شريك تجاري لها. في هذه الفترة لا يحتاج حزب المحافظين إلى تحديد من سيقوده بقدر حاجتهم الأهم إلى تحديد موقفهم.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.