روسيا تسبق الولايات المتحدة بخطوة في القطب الشمالي

الرئيسية مقالات
ليونيد دافيدوفيتش بيرشيدسكي خاص بالوطن بلومبرج

 

 

في نهاية الأسبوع الماضي، أطلقت روسيا سفينتها الأخيرة التابعة لطاقم كاسحات الجليد الجديدة التي تعمل بالطاقة النووية والتي تهدف إلى تعزيز هيمنة البلاد على الحركة التجارية في القطب الشمالي. في الوقت الذي تعتبر فيه معظم دول العالم أن التغير المناخي يمثل حالة طارئة عالمية، تعمل روسيا جاهدة للاستفادة منه خلال الوقت الراهن، خاصة وأن الولايات المتحدة تبدو متأخرة للغاية بخصوص مواكبة التغيرات الجديدة.
تعتبر سفينة يورال التي تم إطلاقها في بحر البلطيق في سان بطرسبرج هي السفينة الثالثة والأخيرة التي تم إطلاقها حتى الآن ضمن مشروع 2022. أما السفينتان الأخرتان وهما آركتيكا وسيبير فقد تم اطلاقهما في عامي 2016 و2017، ومن المتوقع أن تدخل سفينة آركتيكا الخدمة بالفعل خلال هذا العام. إن هذه السفن القوية القادرة على اختراق الجليد الذي يبلغ سمكه 3 أمتار لصنع مسارات للإبحار فيها هي أول كاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية، وقد تم تصميمها في روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتم بناؤها بالكامل في فترة ما بعد الحقبة السوفيتية. إن أسطول كاسحات الجليد الحالي هو أسطول قديم تم بناؤه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حتى أن الكثير منه لم يعد يعمل، لذلك تهدف الحكومة الروسية إلى استبدالها بالسفن العملاقة الجديدة من أجل جعل ما تسميه روسيا بطريق البحر الشمالي قابلاً للإبحار فيه على مدار العام وليس فقط خلال بضعة أشهر منه.

هنا نجد أنفسنا أمام تساؤل مهم عن ماهية طريق البحر الشمالي. إن طريق البحر الشمالي يبدأ بساحل روسيا في القطب الشمالي من بحر بارنتس في الغرب ويمتد إلى مضيق بيرنج في الشرق، وواحدة من أهم مميزاته هي أنه يقلل من وقت نقل وتسليم البضائع بين أوروبا وآسيا لفترة تتراوح بين 10 إلى 15 يوماً مقارنة بالإبحار عبر قناة السويس. أما الجديد في الأمر هو أن الحكومة الروسية تطالب بالحق في تنظيم الملاحة والإبحار خلال هذا الطريق بالكامل، على الرغم من أنه لا يمر بأكمله خلال المياه الإقليمية للبلاد.
إن الإصرار الروسي على أن الإبحار في القطب الشمالي يتطلب إذناً من موسكو لهو مصدر إزعاج للولايات المتحدة، خاصة وأن روسيا استثمرت مجهوداتها لفتح وإعادة افتتاح القواعد العسكرية على طول سواحلها في القطب الشمالي، حيث أعيد افتتاح عشرة مطارات عسكرية مهجورة، ويجري الآن بناء 13 مطاراً آخراً. في الوقت الحالي تغطي القواعد الروسية الساحل الشمالي بأكمله تقريباً، وإذا لزم الأمر فهي على استعداد لحماية أو تعطيل أية نشاط أو ملاحة على طول طريق البحر الشمالي. يبدو واضحاً أنه في حالة ما إذا تنافست القوتان العظمتان روسيا وأمريكا حول من الذي يمتلك التكنولوجيا الأقوى، فإن الغلبة ستكون لروسيا وستجد الولايات المتحدة نفسها أمام فجوة كبيرة بينها وبين روسيا خاصة بعد إطلاق كاسحات الجليد الجديدة.
أما بالحديث عن هذه الفجوة بين أمريكا ورسيا، فقد يكمن سببها في التوجهات المختلفة للبلدين تجاه قضية تغير المناخ، فنرى أنه في الولايات المتحدة تتذبذب الآراء حول الاعتراف بها كحالة طارئة، ومؤخراً في عهد الرئيس ترامب زاد التذبذب حول هذه القضية. أما على الجانب الآخر فإن الرئيس الروسي بوتين يعرب من جانبه عن شكوكه في أن النشاط البشري يتسبب في تغير المناخ، لكنه لا ينكر حدوث ذلك.
يرى بوتين أن الناس لا يستطيعون فعل الكثير لوقف تغير المناخ، وهذا يجعل التكيف معه لعبة صعبة وطويلة المدى، وعلى الرغم من أن بوتين يدرك أن حالات الجفاف والفيضانات المتكررة التي تحدث مع تغير المناخ يمكن أن تضر الزراعة الروسية، إلا أنه يرى أيضاً تلك الفرص التي تأتي مع مناخ أكثر دفئاً بما في ذلك المحيط المتجمد الشمالي الذي سيصبح قابلاً للإبحار فيه.

على الجانب الآخر، ترى البحرية الأمريكية أنه على الرغم من الانصهار التدريجي للغطاء الجليدي في القطب الشمالي، إلا أنه ستظل المنطقة القطبية الشمالية غير صالحة للإبحار فيها بالنسبة لمعظم السفن التجارية خلال أغلب فترات السنة على الأقل حتى عام 2030 بسبب الحركة غير المتوقعة للجليد البحري. هنا قرر الكرملين عدم الانتظار لفترة طويلة والبدء في تأمين طريق البحر الشمالي من خلال الاستثمار في أسطول كاسحات الجليد الجديد، فتم بناء سفن مشروع 22220 من قبل شركة حكومية، وبناء خطوط السكك الحديدية المؤدية إلى الموانئ القطبية والتجارية الواقعة على الساحل الشمالي.
صرح مسئولو الحكومة الروسية في أبريل الماضي خلال أحد المؤتمرات أن خططهم تهدف إلى زيادة حركة الملاحة والإبحار على طول طريق البحر الشمالي إلى 92.6 مليون طن متري بحلول عام 2024 مقارنة بنظيرتها التي تبلغ 20.2 مليون طن متري في عام 2018، في حين كانت حركة نقل البضائع تصل إلى النصف فقط خلال عام 2017.
حتى الآن تم تحقيق النمو بشكل كبير بفضل مشروع الغاز المسال الجديد لشركة Novatek PJSC في شبه جزيرة يامال، إذ تقوم الشركة بتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا وبالأخص الصينيون على طول طريق البحر الشمالي. أما مؤخراً فتأمل الحكومة الروسية أيضاً في نقل المزيد من السلع الأخرى مثل النفط والفحم على طول خطوط الملاحة في القطب الشمالي.
كل هذه الطموحات هي في الواقع رهان واضح على أنه بمرور الوقت سيساعد تغير المناخ على جعل طريق البحر الشمالي قابلاً للابحار فيه طوال العام، وعندها ستتمتع روسيا بالسيطرة الكاملة على حركة الملاحة خلال هذا الطريق، وستستغلها بالتأكيد من أجل صادراتها الخاصة وتقصير طريقهم إلى آسيا.
إن هذا الرهان الاستراتيجي ليس بالأمر الهين على أية دولة، حتى على الولايات المتحدة نفسها بقوتها البحرية، إذ يصعب عليها الآن المقاومة دون مواجهة عسكرية مباشرة لأن روسيا أصبحت بالفعل متقدمة للغاية. لا يمكن إنكار أن روسيا غير قادرة على مواكبة المنافسين في جميع المجالات، لكنها عملت على وضع مسافة بينها وبين قوى القطب الشمالي الأخرى، ففي الوقت الذي كانت فيه روسيا لا ترى أن من مصلحتها التوجه نحو الإطلاقات الفضائية، كان بالنسبة إلى بوتين طريق البحر الشمالي يمثل أولوية أكبر، وهو أحد الأشياء القليلة التي يمكن أن يقدمها للصين ضمن التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يحاول بناءه مع الرئيس الصيني شي جين بينج.
لا يمكن إنكار أن قضية تغير المناخ تشغل الرأي العام العالمي خلال الآونة الأخيرة، لكن من الواضح أن روسيا تسعى لفرض هيمنتها وقوتها الروسية على القطب الشمالي قبل أن يتغير المناخ.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.