فضيحة تعاقدية وراء تجميد مشروع “العقل” التابع لـ”البنتاغون”

الرئيسية مقالات
جيمس ستافريدس: عن "بلومبيرغ"

 

في أحدث تطورات حلقات المنافسة المحمومة على مشروع الحوسبة السحابية التابع لـ”البنتاغون”، وتقدر قيمته بـ10 مليارات دولار، أعلن مكتب المفتش العام التابع لـ”البنتاغون” فتح تحقيق جديد حول ما إذا كانت تجاوزات أو فساد شاب عملية التعاقد حتى هذه اللحظة. ومن المقرر أن يكمل هذا التحقيق، الذي وصفته مصادر من داخل البنتاغون لي بأنه إجراء بالغ الأهمية، مراجعة تجري بالفعل من قبل وزير الدفاع الجديد، مارك إسبر.
ويعرف المشروع السحابي رسمياً باسم «البنية التحتية المشتركة للدفاع» (جيه إي دي آي). ومن المقرر أن يوفر هذا المشروع نظاماً إدارياً واحداً، ومخزوناً واحداً فقط لتخزين البيانات الهائلة للغاية لدى الوزارة. ومع اشتعال الجدال، اقتربت مرحلة تحديد الفائز بالعقد، وانحصر المنافسون النهائيون في «أمازون ويب سيرفيسيز إنك» (الجهة المفضلة بالقوة) و«مايكروسوفت كورب».
وانطلق التحقيقان بناءً على ضغوط من 3 مصادر: منافسين ساخطين شعروا بأنهم خرجوا من المنافسة، وعناصر داخل الكونغرس تمثل ضواحي وولايات للشركات المنافسة وجود فيها، والبيت الأبيض ذاته. ومن ناحيته، قال الرئيس دونالد ترمب، منتصف يوليو (تموز) الماضي، إنه ينوي إجراء مراجعة لعملية التعاقد الخاصة بمشروع «جيه إي دي آي»، بعد تلقيه «شكاوى هائلة» بخصوص العملية من «بعض الشركات الكبرى على مستوى العالم»، بينها «آي بي إم» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»؛ وكانت جميعها قد شاركت في المناقصة.
جدير بالذكر أنه لا شيء من ذلك، بخلاف التدخل المباشر من جانب رئيس الأركان، يعد خارجاً عن المألوف فيما يخص الصفقات الدفاعية الكبرى، بالنظر إلى إجراءات عملية التوريد شديدة التعقيد داخل البنتاغون.
ومن جانبي، وبوصفي عميداً بحرياً أحمل نجمة واحدة، أوكلت إلى عام 2000 مهمة إدارة تعاقد معقد يشمل مختلف أرجاء البنتاغون بمجال الاتصالات عن بعد، تضمن بناء مجموعة جديدة من الأقمار الصناعية. وبحلول نهاية العملية وإعلان الفائز بالتعاقد، كنت قد انتقلت إلى خارج البنتاغون منذ فترة طويلة. وعام 2013، وبعد أن أصبحت أدميرال أحمل 4 نجوم، وعلى وشك إنهاء مسيرتي العسكرية، كثيراً ما تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا لم تصبح المجموعة الجديدة من الأقمار الصناعية عاملة بصورة كاملة بعد؟ وكانت الإجابة الموجزة أنه عندما يجتمع المال الضخم والنفوذ السياسي والتكنولوجيا غير المؤكدة يصبح التأخير نتيجة حتمية.
ويثير كل هذا تساؤلات حول السبب وراء استمرار المؤسسة العسكرية الأميركية في اتباع مثل هذه المنظومة، وكيف يمكن تعجيل إجراءاتها.
المؤكد أن «جيه إي دي آي» يشكل بالتأكيد جزءاً حيوياً من مستقبل القدرات القتالية الأميركية، خصوصاً في ظل بيئة الجيل الخامس المعقدة على نحو متزايد. وفي جوهرها، ستسمح السحابة الجديدة ببناء نظام لتكنولوجيا المعلومات أكثر كفاءة بكثير، ليحل محل المزيج الحالي المكون من آلاف الشبكات غير ذات الكفاءة التي يجري التعامل معها يدوياً. ويحمل هذا الأمر أهمية حيوية خاصة بالنسبة للمؤسسة العسكرية، حيث ينتقل كثيرون للغاية من الأفراد إلى أعمال جديدة كل عامين أو ثلاثة، حاملين معهم معرفة مباشرة بالتعامل مع شبكة ما أو برنامج معقد. وبالنسبة لمؤسسة ضخمة مثل وزارة الدفاع، التي يصفها البعض بأنها أكبر «شركة» في العالم، فإن وجود «جيه إي دي آي» يتميز بالكفاءة سيلعب دوراً محورياً في تعزيز الموارد وتحقيق التشغيل بكفاءة.
ومع هذا، لا يقتصر الأمر على الكفاءة، وإنما يتعين على “جيه إي دي آي” كذلك العمل على رفع مستوى الصلابة والأمن. وبدلاً عن تخزين شبكات ومؤسسات معلوماتها محلياً، سيجري تخزين كل شيء في هيكل سحابي واحد يمكن حمايته على نحو أفضل بكثير، تماماً مثلما توجد بيانات وصور شخصية في سحب تابعة لـ«مايكروسوفت» أو «آبل» اليوم. ويمكن نقل هذه البيانات بانسيابية وسهولة تامة، حتى في قلب ميدان القتال. ويخبرنا خبراء في الأمن السيبري بأن ثمة قوة كبيرة تكمن وراء تقليص أعداد البوابات الإلكترونية التي يمكن مهاجمتها واختراقها، وأن توحيد دفاعات وزارة الدفاع بأكملها يبدو إجراءً منطقياً تماماً. ويرى الخبراء أن هذا التقليص في “أسطح التهديد”» يحمل أهمية جوهرية.
وأخيراً، من منظور التشغيل، ثمة إغراء كبير وراء الاعتماد على بيانات يمكن تناقلها بسهولة تامة، وتسجيلها وتخزينها لخلق أنظمة بسيطة، وبناء بنية تحتية تسمح بالمراقبة المستمرة لكامل الشبكات التابعة لوزارة الدفاع.
ومن جهته، علق لفتنانت جنرال جاك شانان، رئيس مركز الذكاء الصناعي التابع لـ«البنتاغون»، في وقت قريب، على القدرات العملية اللازمة في حقبة التنافس بين القوى الكبرى الجديدة، وتحديداً الصين، بقوله: «تخيل مدى سرعة العمليات في إطار قتال دائر بالمحيط الهادي، حيث لا تملك الوقت للتفكير في مسائل من عينة: كيف أحصل على البيانات؟ وكيف أتخلص منها؟ وكيف أنقلها من النقطة إيه إلى النقطة بي؟»، مضيفاً: «إذا كنت ممن يعملون في إطفاء الحرائق، فإن هذا يعني أنني سأكون بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من البيانات. وأترك الأمر للوغاريتمات كي تعالجها بسرعة آلية؛ ومن الصعب عليّ إنجاز ذلك دون توفير المؤسسة لحل سحابي».
ومن أجل التحرك سريعاً لإيجاد حلول فاعلة، وخلق مستوى جديد من الصلابة والصمود، وتوفير نقطة اتصال واحدة لجميع عمليات تكنولوجيا المعلومات، يتعين على وزارة الدفاع إنجاز التحقيقات الجارية على نحو شامل سريع في الوقت ذاته. وإذا كان قد وقع سوء تصرف بالفعل، ينبغي كشفه ومعاقبة مرتكبه فوراً. والملاحظ أن وزير الدفاع إسبر أمامه مجموعة جذابة من الخيارات، منها إطلاق المناقصة من جديد، أو المضي قدماً في المناقصة الحالية، رغم الضغوط الخارجية، أو البحث عن حل وسط ربما لا يرضي في النهاية أحداً. ويمثل هذا الأمر أول اختبار حقيقي لقدراته القيادية، وربما سيكون من أهم الاختبارات التي يواجهها في مسيرته.
أما السيناريو المحتمل فهو أن ينتهي الأمر دون نتائج خطيرة تذكر، وأن يتضح في النهاية أن الأمر لا يعدو كونه سخطاً في نفوس عدد المنافسين، ومشاعر غضب سياسية (بجانب عداء قوي من قبل البيت الأبيض تجاه «أمازون» ومالكها، ومالك صحيفة «واشنطن بوست»، جيف بيزوس). أما إسبر، فيتعين عليه المضي قدماً في إعلان الفائز بالتعاقد بمجرد أن يصبح الوقت مناسباً من الناحية القانونية. والواضح أن القتال في القرن الـ21 سيجري بين العقول؛ وبناء هيكل سحابي واحد يمثل الحل السحري الذي تحتاج إليه المؤسسة العسكرية الأميركية. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.