ألمانيا في حاجة للركود للبدء في الإنفاق

الرئيسية مقالات
ليونيد بيرشيدسكي : عن "بلومبيرغ" الإخبارية

 

تتزايد الضغوط على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتتخلى عن سياسة العجز الصفري، المعتمدة راهناً في ظل ضعف النمو الاقتصادي الألماني، ولكن يبدو أنها تعتزم الصبر قليلاً قبل ضخ المزيد من الأموال.
باتت ألمانيا قاب قوسين أو أدنى من الركود. ولا يرجع سبب ذلك إلى أي مشاكل هيكلية، بل إن الحروب التجارية التي يتزعمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب هي المسؤول الحقيقي. ومع ذلك، تثور تساؤلات وجيهة من قبل اللوبي الصناعي الألماني القوي بشأن التزام الحكومة بسياسة العجز الصفري للميزانية، والمعروفة إعلامياً باسم (شوارزي نول).
شهد الناتج الألماني هبوطاً بواقع 0.1 نقطة مئوية في الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بالأشهر الثلاثة الماضية. وذلك الانكماش ناجم عن انخفاض الإنتاج الصناعي والتشييد بواقع 0.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. واستعاض الانخفاض المذكور بالإنفاق الحكومي والطلب المحلي، الذي كان قوياً مما كان عليه الأمر في الربع الأول من نفس العام. وغرد بروفسور الاقتصاد الألماني سيباستيان دوليان من جامعة العلوم التطبيقية في برلين قائلاً: «لو أننا شهدنا الطلب المحلي ضمن هذه الدورة الضعيفة الراهنة كما كانت الأوضاع بعد التعافي في عام 2005، لكان الاقتصاد الألماني قد سقط فعلاً في هوة الركود العميق».
لم تعانِ ألمانيا من آلام شديدة جراء ضعف معدلات الطلب على سلع التصدير، ولا سيما السيارات والماكينات. وهبط معدل البطالة إلى مستوى قياسي بواقع 3.1 نقطة مئوية اعتباراً من نهاية يوليو (تموز) الماضي على خلفية قطاع الخدمات الصحية والطلب المحلي.
مع ذلك، وفي ظل العديد من الصدمات التجارية – إذ يواصل الرئيس الأميركي تهديداته بفرض الرسوم الجمركية الباهظة على الاتحاد الأوروبي – تتزايد الضغوط على الحكومة الألمانية كي تبذل المزيد من الجهود لتعزيز الاقتصاد. فمن جانبه دعا حزب الخضر، وبعض الديمقراطيين الاجتماعيين من تيار اليسار بالحزب، الحكومة إلى المزيد من الإنفاق لتمويل التحول السريع إلى الطاقة الخضراء النظيفة وتحسينات البنية التحتية الوطنية. لكن الأهم من ذلك، أن اللوبي الصناعي الكبير في البلاد، ونعني اتحاد الصناعات الألمانية، يطالب الحكومة أيضاً بإعادة النظر في سياسة العجز الصفري للميزانية.
وفي مقالة افتتاحية في صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية المعنية بشؤون المال والأعمال، دعا يواكيم لانغ، رئيس اتحاد الصناعات الألمانية إلى المزيد من الحوافز الاستثمارية للابتكار، والتمويل الحكومي للذكاء الصناعي، والبنية التحتية الرقمية القوية. وفي حين أن الحكومة يمكنها الاقتراض بمعدلات فائدة سلبية، ينبغي عليها الذهاب إلى الأسواق المالية للحصول على مبلغ مزدوج الرقم بالمليار يورو على المدى المتوسط لصالح صندوق المشاريع الحكومية، كما ينبغي عليها أيضاً تخفيض الضرائب على الشركات بواقع 15 إلى 20 مليار يورو (17 إلى 22 مليار دولار) بهدف تحفيز الاستثمارات الخاصة.
وكتب السيد لانغ قائلاً: «على العكس من (كبح الديون)، وهو البند المنصوص عليه في الدستور الألماني، ينبغي إعادة النظر في سياسة العجز الصفري للميزانية مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الهشة الراهنة في اقتصاد البلاد».
ويحد الدستور الألماني من عجز الموازنة الهيكلية إلى 0.35 نقطة مئوية من الناتج الاقتصادي، ولا يسمح إلا بوقوع العجز الكبير خلال التباطؤ الاقتصادي إن تمت تغطيته مع انتعاش النمو في أوقات لاحقة. بيد أن تكاليف الاقتراض السلبي الألماني تجعل من (بُخل) الإنفاق الحكومي الألماني موقفاً مفتقداً للمنطق إلى حد ما بالنسبة إلى العدد المتزايد من الأطراف السياسية المعنية بالأمر.
ومن الواضح أن حزب المستشارة أنجيلا ميركل الحاكم، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، لن يشهد معارضة من قبل قاعدة الدعم التقليدية للحزب في حالة تخفيف القيود المالية في مثل هذه الحالات، إذ إن السياسات الأكثر سخاءً تزيد من تأييد قاعدة الدعم الحزبية وتستميل بعض الناخبين الذين فقدهم الحزب خلال العامين الماضيين، لا سيما لصالح حزب الخضر الألماني.
ولقد دافعت السيدة ميركل، رفقة وزيرة الدفاع أنغريت كرامب كارينباور، مع وزير المالية أولاف شولز، مؤخراً عن سياسة العجز الصفري للميزانية. وقالوا في طرحهم المعلن إن الفائض الحالي في الميزانية يوفر ما يكفي من المرونة لتيسير الإنفاق الإضافي إذا لزم الأمر، كما أن المزيد من المحفزات قد ينشأ عن الإلغاء المخطط له لما يُعرف بضريبة التضامن، والرامية إلى تعزيز التنمية الاقتصادية لدى الولايات الشرقية الألمانية بحلول عام 2021. ولا تزال مسودة الميزانية الحكومية لعام 2020 المقبل تستند إلى سياسة العجز الصفري للميزانية.
وبعثت المستشارة ميركل، الثلاثاء الماضي، بإشارة إلى إمكانية إعادة النظر في الموقف المتزمت – الذي وصفته بالمحافظ – إن ساءت الأوضاع عما هي عليه الآن، وقالت: «سوف نتخذ إجراءاتنا وفق تطورات الأوضاع».
ومن غير الواضح ما الذي يتطلبه الأمر في النهاية من المستشارة ميركل لتغير رأيها. فمن المعقول بالنسبة لها وللوزير شولز ألا يندفعا في هذا المسار. فإن التخلي التام عن سياسة العجز الصفري للميزانية سوف يشكل نقطة تحول رئيسية في سياسات الحكومة التي تحتاج إلى سبب قوي يبرر لها المضي قدماً في هذا الاتجاه. ولا يريد حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ولا الاشتراكيون الديمقراطيون الظهور بمظهر المذعنين للضغوط المتزايدة أو المتفاعلين مع السياسات الشعبوية الرخيصة بغية حيازة بعض من أصوات الناخبين.
إنهم يريدون اتخاذ القرار بشأن ما إذا كان الركود التقني يعد سبباً وجيهاً لاستخدام التدابير الحكومية الثقيلة أو ما إذا كان من الحكمة التروي انتظاراً للمزيد من الوضوح بشأن ما تتمخض عنه مجريات حروب الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية العالمية. ومع اعتبار معدلات البطالة الألمانية المنخفضة، إلى جانب الطلب المحلي القوي، والأمد الطويل قبل الانتخابات العامة الكبرى المقبلة، يمكن للسيدة ميركل التأني التماساً للتوقيت المناسب لاتخاذ القرار المناسب. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.