احتلال وقح

الإفتتاحية

احتلال وقح

ربما نادراً ما حدثنا التاريخ عن نظام يبيح لنفسه احتلال أراضي الآخرين بحجة “حماية أمنه”، وهذا هو تماماً ما تحاول تركيا القيام به في الأراضي السورية، سواء في منطقة شرق الفرات التي تعتبر الأغنى في الأراضي السورية من حيث كونها تحوي الماء والنفط والحبوب”، وذلك بحجة منع الأكراد من إقامة حكم ذاتي، أو في إدلب الحدودية لتركيا والتي يريدها أردوغان بخزان بشري وعشرات الفصائل المتشددة أن تتبع له، فضلاً عن نوايا لا تقل خطورة في شمال حلب والمنطقة التي تريدها تركيا تحت إداراتها، لكن هذا الجموح هو ما أغضب روسيا من النظام التركي كون الاتفاق بين أنقرة وواشنطن تم دون علمها ولا حتى بضوء أخضر منها، لذلك وجدت تركيا نفسها في موقف لا تحسد عليه عندما حاولت إنقاذ الفصائل المتشددة في خان شيخون بجنوب إدلب، حيث كانت الغارات التحذيرية على الرتل العسكري كفيلة بتوقيفه وجعل رأس النظام التركي يوجه خطابات تارة لواشنطن وثانية باتجاه موسكو، فاللعب مع الكبار لا يمكن أن يكون بسطحية المبررات التي تطرحها تركيا، ولن يكون بمقدورها أن تتصرف كما تخطط وتحاول القيام به.
الأزمة السورية التي عانى فيها الملايين من أبنائها كثيراً طوال 9 سنوات، من غير المقبول أن تكون وحدة أراضيها رهناً للأطماع التركية التي باتت مفضوحة بشكل علني للجميع ومنذ العام 2011، ووحدة الأراضي السورية أمر أساسي وخط أحمر طالما تم التأكيد عليه في جميع المناسبات من قبل المجتمع الدولي وخاصة من قبل الجانب العربي ، أما ما يعد له أردوغان وما يعلنه المسؤولون في فريقه السياسي فترجمته الوحيدة احتلال وقضم ما أمكن من الأراضي السورية تحت عناوين مختلفة أبرزها حجة “الأمن القومي”، وكأن أمن تركيا لم يكن يهم الطبقة السياسية فيها يوم فتحت حدودها وشرعت أبوابها أمام كل المتشددين والإرهابيين الذين قدموا من جميع دول العالم باتجاه الأراضي السورية واليوم باتوا عبئاً حتى على الدول التي يحملون جنسيتها، وكذلك التحالف مع الكثير من الفصائل المتشددة لم يكن مضراً بالأمن القومي التركي لكن عدم احتلال أراض من سوريا هو ما يهدد الأمن التركي!؟.
القانون الدولي يجرم ويحظر على أي جهة احتلال أراضي الغير بالقوة، ولا يمكن أن يكتسب إردوغان أي شرعية طالما كان يعتقد أنه سيكون قادراً على الاستيلاء على أراض من سوريا، ولاشك أن الغضب الروسي الأخير ونتائجه في إدلب رسالة واضحة لا يمكن لأي مطلع أن يخطئها أو يقلل من شأنها، فعندما كانت أنقرة تعلن أنها تنجز التوافق مع واشنطن في شرق الفرات، كانت تتلقى الانتكاسات بالجملة لنواياها في إدلب.. واليوم مما لا شك فيه أن سوريا لمستقبل أجيالها ووحدة أراضيها وذلك أمر أساسي في إنجاز أي حل سياسي تام ينهي أزمتها بشكل تام، أما العمل على احتلال أقسام منها فهو مخالف لجميع القوانين والشرائع واعتقاد إردوغان أن ذلك سيكون بمثابة هروب إلى الأمام من أزماته الداخلية وتحقيق أوهامه وأطماعه التاريخية فسيكتشف أن الكثير من الحسابات الخاطئة لن تجد أي قبول دولي لها وستفشل.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.