هل من هدنة في الحرب التجارية؟

الرئيسية مقالات
دانيال موس: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

 

 

 

تفاقم الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، وتمزقت علاقات تجارية راسخة امتدت لعقود ماضية، وحدث اضطراب في سلاسل الإمداد، وتباطأ النمو العالمي، وارتبك المستثمرون، واضطربت أوضاع عالم التجارة والأعمال. ربما تجد نفسك تتساءل خلال الأيام التي تبدو فيها المواجهة بلا نهاية، ألا يمكن عودة الحال إلى ما كان عليه؟
مع ذلك، لا يضع ذلك الرأي في الاعتبار المنتفعين نسبياً من هذا الصراع، خاصة بلدان جنوب شرقي آسيا، التي جذبت الاستثمار كوجهة بديلة للصين. وذكرت صحيفة «نيكي آسيان ريفيو» مؤخراً أن شركة «غوغل» تتخذ خطوات لنقل إنتاج هاتفها الذكي «بيكسل» إلى فيتنام، بدلاً من الصين. كذلك ازدادت الشحنات التجارية المتجهة إلى موانئ أميركية قادمة من آسيا، باستثناء بالصين، خلال الأشهر الستة الأولى من العام، في حين تراجعت الواردات الصينية. لذا من المحتمل أن يهدد التوصل إلى سلام تجاري أو الامتناع عن التصرفات العدائية بشكل ملحوظ، هذا التوجه.
واستعرض صندوق النقد الدولي في مراجعته السنوية للاقتصاد الصيني خلال الشهر الحالي بعض السيناريوهات الخاصة باتفاق التجارة المحتمل. ومن المرجح أن يستهدف أساس ذلك الاتفاق توجيه دفة الميزان التجاري بين الدولتين نحو الصفر. على الأقل سوف يعمل على خفض عجز تجارة السلع الأميركي مع الصين، الذي يُقدر بـ419 مليار دولار، بشكل كبير.
ويتضمن السيناريو المتصور من جانب صندوق النقد الدولي فرضية شراء الصين لمزيد من السيارات والآلات والإلكترونيات الأميركية، لكن الصندوق يرى أنه من غير المرجح أن تحفز بكين اقتصادها بدرجة كبيرة بمكان لاستيعاب ما يكفي من السلع الأميركية دون تقليص أو خفض على صعيد آخر. ومن المحتمل أن تخسر كل من كوريا الجنوبية وسنغافورة، اللتين تريان الصين أكبر شريك تجاري لهما، صادرات بقيمة 2.1 في المائة تقريباً من إجمالي الناتج المحلي في حالة كوريا الجنوبية، و3.8 في المائة في حالة سنغافورة، طبقاً لذلك الاتفاق بحسب ما يتكهن صندوق النقد الدولي.
ومن المتوقع أن تتأثر صادرات الصناعات المعدنية الأسترالية سلباً، مثلها مثل مبيعات الإلكترونيات القادمة من دول جنوب شرقي آسيا، مثل ماليزيا. جاء في مراجعة صندوق النقد الدولي: «من المرجح أن يكون هناك تأثير سلبي على إجمالي الناتج المحلي العالمي من جرّاء التشوهات الناتجة عن التوصل إلى اتفاق تجارة بهذا الشكل، في مقابل المنافع الناتجة عن تخفيف الشعور بعدم اليقين من السياسات، والتراجع عن التعريفات الجمركية المرتفعة، وإجراء إصلاحات جديدة».
في الوقت الذي ستكون فيه الجوانب السلبية الأكبر من نصيب آسيا، لن يكون ذلك الاضطراب محدوداً بتلك المنطقة؛ حيث من المحتمل أن تؤثر زيادة مشتريات الطائرات الأميركية على فرنسا بوجه خاص، نظراً لأن «إير باص إس إي» هي المنافس الرئيسي لشركة «بوينغ».
ليس معنى ذلك أن صندوق النقد الدولي، أحد أكبر داعمي الالتزام بالسوق الحر، قد أصبح من مؤيدي الحرب التجارية، بل تفضل جهة الإقراض تلك اتفاقاً غير قائم على الحصص أو زيادة مشتريات محددة، رغم أن البديل الرصين لن يظهر بوضوح على الفور. بطبيعة الحال يمكن القول إن وضع منطقة آسيا ربما كان أفضل لو لم تندلع تلك الحرب في المقام الأول. مع ذلك يخاطر ذلك بتجاهل قوى وعوامل مؤثرة أكبر، تشكل الاقتصاد العالمي، قبل انتخاب الرئيس ترمب بفترة طويلة، وهي استمرار التوسع الأميركي الكبير، وتراجع النمو الاقتصادي الصيني الهائل، وتقدم سكان أوروبا وشمال آسيا في العمر.
وتتباين الآراء بشأن إمكانية معالجة ذلك المأزق التجاري مع كل تغريدة ينشرها ترمب على موقع «تويتر». يحق لبكين القلق من تقلباته والتغير المستمر لآرائه، خاصة وقد بات الضرر الاقتصادي الناجم عن الحرب التجارية أكثر وضوحاً، لكن من الجدير التفكير فيما إذا كان السلام سيكون بالضرورة هو الغاية المنشودة والسعادة المرجوة التي يتوقعها البعض في يناير (كانون الثاني) 2021. فرغم أن معاهدة فرساي كانت أفضل من خنادق الحرب، لم تخل من بعض العيوب الخطيرة. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.