الصراع التجاري الصيني ـ الأميركي وأثره على العالم

الرئيسية مقالات
جون أوثرز: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

 

 

يعتقد الرئيس ترامب أن الحروب التجارية جيدة ومن السهل تحقيق الانتصار فيها، لكن يختلف معه الكثيرون في هذا الأمر. ماذا عن حروب رؤوس الأموال؟
كشفت وكالة أنباء «بلومبرغ نيوز» مؤخراً عن قيام البيت الأبيض بالنظر في اتخاذ إجراءات لتقييد حركة تدفق رؤوس الأموال إلى الصين. ومنذ ذلك الحين تم إيضاح أن هذا لا يعني منع الشركات الصينية من العمل داخل الولايات المتحدة، في وقت تتعهد فيه السلطات الصينية مواصلة فتح أسواقها أمام رؤوس الأموال الأجنبية.
ويعد ذلك تطورا مهما أثار ردود فعل فورية، حيث تراجع المؤشر الرئيسي الخاص بإيصالات الإيداع الصينية الأميركية، التي يمتلكها مصرف «نيويورك ميلون كوربوريشين»، بشدة متأثرا بالخبر، كما شهد مؤشر كبير لعملات الأسواق الناشئة تراجعا كبيرا هو الآخر. كان هذا ما حدث للأسعار عند نشر وكالة أنباء «بلومبرغ نيوز للخبر» مؤخراً. مع ذلك لا تزال ردود الأفعال مقتصرة على الأسواق التي ستتأثر بشكل مباشر، حيث لم نشهد حراكا كبيرا باتجاه الاستثمارات التي لا تتضمن مخاطرة، كما حدث في أوقات سابقة شهدت تصعيدًا في الصراع الأميركي- الصيني.
تشير ردود الفعل الأولية من رجال الأعمال في وول ستريت إلى أنه لا أحد يعلم على وجه التحديد ما ينبغي عمله.
إليكم ما أعتقده على الأقل حتى هذه اللحظة.
إن التهديد خطير، حيث يتابعه بالفعل أعضاء في مجلس الشيوخ من كلا الحزبين. كما أوضحت في السابق سيكون من السهل القيام بالأمر في ظل هيمنة تحديد المؤشرات، وانتشار الاستراتيجيات القائمة على التقييمات البيئية والاجتماعية والحوكمة في مجال الاستثمار، والتي تستبعد شركات أو قطاعات.
سيكون غير مؤلم بالنسبة إلى المستثمرين الأميركيين في البداية. لا يزال الاستثمار في الأصول الموجودة في برّ الصين الرئيسي في مهده. كذلك تعمل المؤسسات السائدة بناءً على معيار أكثر شمولا. لم يضف مؤشر «إم إس سي أي» أسهم برّ الصين الممتازة إلى مؤشره الخاص بالأسواق الناشئة سوى خلال عام 2018، وذلك بعد سنوات من مخاوف من احتمالات عدم تمتع المستثمرين بحماية كافية من أمور مثل التعطل العشوائي لحركة التجارة. نتيجة لذلك لا تحدث مخاطرات كبيرة.
من السهل القيام بالأمر. مع اتجاه باقي الدول الناشئة إلى التعامل بشكل مترابط مع الصين، لن يمثل التحول من مؤشر أو معيار إلى آخر فرقا كبيرا. هكذا حقق صندوق المؤشرات المتداولة في «آي تشيرز»، الذي يتابع ويرصد حركة الأسواق الناشئة باستثناء الصين، نجاحا مقارنة بمؤشر صندوق المؤشرات المتداولة للأسواق الناشئة الرئيسية منذ إنشائه عام 2017.
من السهل تبرير الأمر. يمكن تفسير الأمر بأنه موقف دفاعي من جانب مستثمرين في أسواق غامضة لا تتسم بالشفافية، ولا تتمتع بما يكفي من وسائل الحماية. استغرق مؤشر «إم إس سي أي» وقتا طويلا لإدراج الأسهم الصينية، ومن السهل على السلطات الأميركية التراجع بسهولة عن هذه الخطوة. وقد كتب جون بول سميث منذ نحو عام عن تحليل قديم للأسواق الناشئة قامت به شركة «إكسترات ليميتد» للاستشارات الخاصة باستراتيجيات الأسهم في المملكة المتحدة: «سيتعين على المؤسسات الأميركية، التي تقوم باستثمارات، خاصة صناديق معاشات الولايات، وصناديق الأوقاف الكبرى، وضع البعد الجيوسياسي في الاعتبار عند تحديد مساهماتها الدولية. يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر المعنوية في الأسواق الصينية المحلية إلى زيادة عبء ومسؤولية السلطات الأميركية في وضع المعايير الملائمة اللازمة لتفادي سوء التوزيع والتخصيص المحتمل للمساهمات الاستثمارية من الموارد مما يتسبب في ارتفاع مستوى الاختلال والتدهور».
يبدو الأمر توقعاً. في ظل المناخ السياسي الحالي، ربما يواجه أمناء الصناديق المالية ضغوطًا من الأعضاء لاستبعاد الصين دون توجيهات أو قرارات مباشرة من الحكومة الأميركية.
سيكون لكل فعل عواقب وخيمة على الصين. يوضح كل من دعم المنظمين الصينيين لمؤشر «إم إس سي أي»، والاتجاه الحالي نحو رفع القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية في الأسهم، رغبة السلطات في جذب تدفقات المحافظ الاستثمارية. بحسب معهد التمويل الدولي، أحدث قرار «إم إس سي أي» حراكا كبيرا خلال العام الماضي، حيث تدفق رأس مال يقدّر بنحو 60.7 مليار دولار إلى الصين، في حين خرجت رؤوس أموال تقدّر بنحو 43.7 مليار دولار من كافة الأسواق الناشئة. من شأن تغير هذا التوجه أن يؤدي إلى تزعزع الثقة، ويدفع عدد أكبر من الصينيين باتجاه إخراج رؤوس أموالهم.
أي انتقام محتمل سيكون رهيبا. كما أوضحت كثيرا، ترقد الصين على كومة ضخمة من سندات الخزانة، وإذا باعتها سوف ترتفع العائدات كثيرا. كذلك لدى المؤسسات الصينية شغف بشراء الأسهم الأميركية. لذا سيضرّ أي إجراء انتقامي بقيمة الأوراق المالية الأميركية، التي لا تزال بحوزتها، مما سيلحق بدوره ضررا بالصين أيضا. مع ذلك يمكن القيام بذلك سريعا.
ستكون الآثار طويلة الأجل رهيبة حتى دون انتقام. للصعوبات، التي تواجهها الصين في مجال التصنيع، آثار على قطاع الصناعة العالمي. لذا سيضرّ تقييد حجم رؤوس الأموال المتدفقة إلى الصين باقي الأسواق الناشئة على مستوى العالم. كذلك تشعر الدول المتقدمة بالقلق عندما تبدأ الصين في استغلال ما لديها من احتياطي. في آخر مرة واجهت الصين بها صعوبات، وأنفقت نحو خمس ما لديها من احتياطي النقد الأجنبي، تسبب ذلك في حدوث عمليات بيع كبيرة وعالمية للأسهم أدت إلى انخفاض أسعار الأسهم بشكل كبير في بداية عام 2016. أعقب ذلك تراجع قيمة الدولار، مما أدى إلى تخفيف الضغط على الصين، والذي بدا أنه من تخطيط المصارف المركزية فيما يعرف بـ«اتفاقية شنغهاي». هل ستتمكن المصارف المركزية من الاستجابة على الشاكلة نفسها مرة أخرى؟
يمكن القول بإيجاز إنه في حال أيّد المرء فكرة الصراع التجاري مع الصين، عليه الإعجاب بالوضع. وإذا كان المرء ضد الحرب التجارية، فينبغي أن يكون مفهوم حرب رؤوس الأموال مخيفا ومرعبا له بدرجة أكبر. الأمر المؤكد هو أن هذا الطرح سوف يزيد التقلبات والتوترات على مستوى العالم. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.