كاس ر. سانستاين: عن "بلومبييرغ" الإخبارية

“فيسبوك” ومآزق الحقيقة

الرئيسية مقالات

 

 

 

تعاني الحقيقة من مأزق حقيقي في أنحاء العالم كافة، فما الذي ينبغي فعله إزاء ذلك؟
مما يؤسف له، أن سياسة «فيسبوك» الجديدة بشأن الإعلانات السياسية بإعفاء الساسة من برامج تدقيق الحقائق من جانب طرف ثالث، المصممة للحد من انتشار الأكاذيب والأخطاء في الإعلانات، تعتبر خطوة على الاتجاه الخاطئ، فالشركة تنفض يديها مختارة من غبار الاتهامات التي سوف تلاحقها. ومع بعض الإلحاح الواضح، ينبغي عليها تلمس السبل الجديدة للحد من المخاطر الكامنة في نشر الأكاذيب والمعلومات الزائفة التي ما من شك سوف تقوض أركان العملية الديمقراطية بمرور الوقت.
ووفقاً لحسابات الشركة، تحظر «فيسبوك» بصفة عامة نشر الإعلانات التي تتضمن المزاعم المزيفة من خلال مدققي الأطراف الثالثة. فإذا نشرتَ إعلاناً تزعم فيه كذباً أن الدواء الجديد لديك يشفي فوراً من السرطان، فسوف توقف الشركة نشر الإعلان على الفور، ما لم يصدر تدقيق مستقل من طرف ثالث بشأن محتوى الإعلان. كما تمتد السياسة الجديدة للشركة إلى المعلومات المضللة بشأن اللقاحات على النحو المحددة والمصادق عليها من قبل منظمات رسمية، مثل منظمة الصحة العالمية.
ودافع نيك كليغ، نائب رئيس «فيسبوك» للشؤون العالمية والاتصالات، عن إعفاء الشركة لإعلانات الساسة، وقال إن خطاباتهم تنتمي إلى فئة مختلفة بالكلية، وبالتالي فإن إعلاناتهم لن تخضع للمراجعة من أجل التحقق من صحة محتواها.
أعلنت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأسبوع الماضي أنها لن تنشر أو تعرض إعلان حملة الرئيس دونالد ترمب الانتخابية لعام 2020 مما قد يتضمن مزاعم مزيفة ضد نائب الرئيس الأسبق والمرشح الديمقراطي الحالي جوزيف بايدن. ويحق قانوناً لأي جهة إعلامية وأي منفذ من منافذ التواصل الاجتماعي رفض عرض الإعلانات التي تحتوي على أكاذيب واضحة وصريحة.
ومن زاوية القانون الدستوري الأميركي، لا ينسحب التعديل الدستوري الأول على المؤسسات الخاصة. فإذا ما رفضت المنافذ الإعلامية من شاكلة شبكة «سي إن إن»، أو صحيفة «نيويورك تايمز»، أو صحيفة «وول ستريت جورنال»، أو موقع «فيسبوك» أو موقع «يوتيوب» عرض أو نشر أو بثّ الإعلانات السياسية المعنية بنشر المزاعم الزائفة، فإن الدستور الأميركي لا يعرقل مثل هذه الإجراءات.
وأفضل الحجج التي تدافع بالنيابة عن شركة «فيسبوك»، تتمثل في الصعوبة الاستثنائية في الحكم على الحقائق أو الزيف. ومن الصعوبة أيضاً التمييز ما بين الحقيقة “قضى خصمي عقوبة في السجن” والرأي “خصمي ينتمي لثقافة السجون”.
سرعان ما سوف يكيل الساسة من التيارات كافة الاتهامات ضد خصومهم بتعمد الكذب عليهم، ويطالبون الشركة بإزالة تلك الإعلانات على الفور. ومن المتوقع أن تخضع قرارات الشركة حينئذ لمزاعم التحيز السياسي لتيار ضد آخر. وسواء أكانت تلك الاتهامات انتهازية أم حقيقية، فسوف تخلص الشركة في خاتمة المطاف إلى أنه من المنطقي اعتماد قاعدة عامة، إتاحة الأمر مجاناً أمام الجميع. وهذا من دواعي الإنصاف.
لكن، وبمساعدة من منصات التواصل الاجتماعي، فإن شيوع وانتشار الأكاذيب والمعلومات المضللة هو على نطاق هائل لدى عدد لا يُحصى من الناس. وفي وجود اللوغاريتمات وتقنيات التخصيص، فإن أولئك الذين ينشرون الأكاذيب يملكون قدرات متزايدة على الوصول إلى أكثر شرائح الجمهور تقبلاً لخطاباتهم ورسائلهم. ومن ثم، سوف تزداد المشكلة سوءاً وتفاقماً على هذا النحو.
ويهدد هذا المنحى بوجود نظام سياسي لا يستطيع المواطن العادي فيه الوقوف على ما هو حقيقي وما هو زائف، ثم ينتهي الأمر بالناس إلى تصديق الخبراء البارعين في الكذب عليهم وتضليلهم، أو أولئك الذين يتمتعون بالقدر الأكبر من القوة والسلطة والسطوة، “يطالبك الحزب برفض الأدلة الدامغة التي تشهدها بعينيك وتسمعها بأذنيك، وإنه الأمر الأخير والأكثر أهمية لديه»، من رواية «1984» تأليف جورج أورويل”.
وللتعامل مع هذه المخاطر ومجابهتها، لن يكون كافياً أبداً لشركة “فيسبوك” الاعتماد على الرسائل المجردة بشأن أهمية حرية التعبير.
بدلاً من ذلك، ينبغي على الشركة النظر في الاعتماد على قانون التشهير، والتعامل مع البيانات والإعلانات التشهيرية بكل وضوح، والموجهة من سياسي إلى سياسي آخر على سبيل القصد، وليس التعريض. وقد تبني الشركة موقفها استناداً إلى الممارسات الخاصة بها، المتمثلة في إنشاء مجلس رقابي مستقل مع منحه درجة معينة من السلطة في إزالة الأكاذيب السياسية التي يمكن إثباتها. ووفقاً للممارسات المتبعة لدى بعض البلدان، قد ترفض الشركة عرض أو بثّ الإعلانات السياسية في الفترة السابقة على الانتخابات مباشرة.
ومن السهل تفهم سبب إحجام «فيسبوك» عن العمل كوزارة للتدقيق في الحقائق، على غرار ما طرحه جورج أورويل في روايته «1984» الشهيرة. بيد أن عام 1984 هو أمر، وعام 2019 أمر مختلف تماماً. ورغماً عن أنوفهم، تساهم «فيسبوك» وغيرها من شركات التواصل الاجتماعي الأخرى في الوضع الراهن العاصف بقوة الحقيقة في النقاش الديمقراطي يوماً بعد يوم. ومن شأن ذلك تقويض أركان الديمقراطية نفسها. ويبقى التساؤل بلا إجابة؛ ما الذي يمكننا فعله إزاء ذلك؟. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.