أردوغان يُذعن

الإفتتاحية

أردوغان يُذعن

خلال ساعات كان الغضب الأمريكي كفيلاً بإعادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى حجمه الطبيعي، وإجباره على وقف العدوان على الشمال السوري، وإفهامه أن مواصلة العدوان سيكون كارثياً بالنسبة لتركيا.. وذلك بعد أن تقلب الرئيس التركي بموقفه كثيراً قبل أن ينقل نائب الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته الإنذار بشكل مباشر، بحيث كانت الرسالة حاسمة إما التراجع أو تدمير الاقتصاد وتلقي عقوبات كفيلة بإحداث زلزال يعصف بأردوغان ومستقبله، وهو ما أجبر أردوغان على قبول إنهاء العدوان.
لكن مع هذا.. فإن أيام العدوان التركي بينت أنه من المقلق أن يعتاد المجتمع الدولي على أنظمة تمتهن العدوان وارتكاب جرائم الحرب بحق الغير، ولاشك أن الغزو التركي للشمال السوري قدم حالة فاضحة عن جنون السياسة التي يمارسها غارق في الديكتاتورية والتسلط، ولاشك أن إعلان وحدات الحماية الكردية أن تركيا استخدمت أسلحة محرمة دولياً ليس غريباً، حيث اعتاد العالم أن يرى أردوغان دائماً متسلطاً ويعتمد العصبية وتجاهل كافة المناشدات العقلية عندما يقدم على أي أمر خطير، سواء في طريقة تعامله مع أزماته الداخلية، أو علاقاته المتوترة مع جميع دول الجوار باستثناء إيران، واليوم أكد عبر العدوان الذي شنه على منطقة شرق الفرات شمال شرق سوريا أنه استنفذ كل ما يمكن أن يقدم عليه أي مجرم حرب، خاصة أن الأحداث خلال أسبوع بينت عزمه على إعادة إطلاق الآلاف من إرهابيي تنظيم “داعش” في طعنة غدر لجميع الجهود الدولية التي عملت على تخليص المنطقة والعالم من مخاطر أحد أكثر التنظيمات وحشية وإجراماً عبر التاريخ.
طوال سنوات الأزمة السورية التي تقترب من عامها التاسع، كانت العنجهية التركية أخطر ما يمكن أن يمارسه أي نظام ينتهج إرهاب الدولة قائماً على مدار الساعة، فمن تسهيل وصول الإرهابيين وتمويل المليشيات وتهريب السلاح والمشاركة في المعارك.. كانت تدخلات أردوغان عبارة عن شر مطلق، وهو ما أسلوبه الذي اتبعه في جميع الدول العربية التي حاول التسلل إليها، وتبقى واضحة للعيان بشكل جلي أكثر في سوريا نظراً لقربها كدولة حدودية.
أردوغان ارتكب كل أنواع القمع والتنكيل بحق شعبه ووصف قسماً منه تارة بالخونة وثانية بالطائفيين وزج بمئات الآلاف في غياهب السجون وانتهك القضاء والعمال وأذل قسماً كبيراً من ضباطه وأساتذة الجامعات والموظفين، ولم يتوان عن ارتكاب المجازر في كل مكان يرى فيه فرصة لتحقيق أطماعه والقفز إلى الأمام من أزماته الداخلية الخانقة التي تؤكد قرب نهاية حزب “العدالة والتنمية” وسياساته الفظيعة التي تقوم على تشديد قبضته على السلطة كحاكم مطلق.
في المقابل هناك غضب شعبي متصاعد للكثير من الأسباب، ليس بسبب قمع الحريات والتضييق على الحقوق فقط، بل لأن الاقتصاد الذي طالما تباهي به أردوغان واعتبره طفرة يعيش أزمات كثيرة وانهيار سعر صرف الليرة التركية جميعها تنذر بافتقاد أردوغان لكل ما سبق واعتبره إنجازات.
لا يوجد أي قانون يبيح لأردوغان استباحة أراضي الغير ولا التدخل في شؤون الدول ولا تبني القتلة والإرهابيين والتحالف معهم، واليوم على العالم الغاضب أن يترجم غضبه هذا رغم وقف الغزو التركي بخطوات رادعة تكون كفيلة بوضع حد للجنون المرتكب من قبل أنقرة وضمان عدم تكراره مجدداً.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.