لبنان الغاضب

الإفتتاحية

لبنان الغاضب

لقد كانت ساحات لبنان التي اهتزت على وقع صرخات الرفض لكل الطبقة السياسية منظراً فريداً لم يسبق أن عاينه لبنان بتاريخه، فالذين اعتقدوا أنهم اختزلوا لبنان في أنفسهم باتوا يسمعون صفات لم يسبق أن تلقوها، وتبين أن توارث المناصب وتجاهل المطالب الشعبية ناراً تحت الرماد تنتظر الفرصة المناسبة ولم يتعلم الإقطاع السياسي والحزبي اللبناني من أحداث الجوار وما عانته عدد من دول المنطقة، حتى كان انفجار الشارع في أول اختبار تم البحث فيه عن ما يسد رمق العجز والدين العام من جيوب المواطنين الخاوية فشهدت ميادين لبنان تسونامي من المتظاهرين الذين يفضلون حتى الفراغ على طبقة لم تلب أبسط متطلباتهم وأبقت الحاجة وافتقاد أساسيات المعيشة حالة عامة.
ساعات وأيام هامة جداً يمر بها لبنان، ولاشك أن انتفاضته الشعبية عبر نزول عشرات الآلاف في الشوارع تختلف عن سابقاتها، فالأزمة المعيشية والأوضاع الاقتصادية المتردية جعلت جميع الشرائح تعاني أوضاعاً مأساوية، فيما وحدت المعاناة جميع الذين قطعوا الأمل بأي إصلاحات يمكن أن تنتشل المواطنين اللبنانيين من ظروفهم الصعبة، كما جعلت غضبهم الذي عبروا عنه في ساحات وشوارع جميع المدن يضع الطبقة السياسية برمتها أمام استحقاق مصيري، واللافت في جميع تلك التجمعات أنها جرت في مناطق ومعاقل النخب التي رأت نفسها بديلاً للدولة واعتادت على من يمجدها ويختصر لبنان فيها، ولم يعد أحد في منأى عن الصوت الذي هز تلك الطبقة السياسية وأصحاب النفوذ التاريخي، وللمرة الأولى غابت الشعارات السياسية والمناطقية وغيرها لتحل مكانها أصوات تنقل تعب وآلام الأمعاء الخاوية والآمال المتبددة بأي تحسن للأوضاع، ومجدداً عاد هاجس “الهجرة” كألم عبر عنه الغاضبون بعد أن سئموا الوعود بالتغيير والإصلاح في بلد يئن تحت وطأة دين يفوق الـ100 مليار دولار.
على ما يبدو لم يعد يكفي لبنان اليوم علاجات على مبدأ الصدمة، فقد تجاوز سقف المطالب المزمنة كافة المحرمات في بلد يقوم على الولاءات للنخب والطبقات والتيارات والنواب والسياسيين وغير ذلك كثير.. وكسر المتظاهرون جميع المحظورات في المعاقل التاريخية للبنان وتوجهوا برفضهم إلى الذين اعتادوا على رؤية أنصارهم يهتفون باسمهم.. فتفاجؤوا بين ليلة وضحاها يمن يخاطبهم بملء حناجرهم “ارحلوا”.
أزمة لبنان اليوم تحتاج إلى اتخاذ كل ما من شأنه أن يمنع الانفجار، والمهلة التي تحدث عنها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في خطابه تستوجب أن تضع الأمور في نصابها والإشارة إلى الطرف المعطل في حكومته.. لبنان في مرحلة خطيرة وتحتاج إلى رجال دولة يجيدون التعامل مع شارع يصرخ بأعلى صوته “كفا”.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.