ماذا لو تلقت الدول الفقيرة الأموال لاستقبال اللاجئين؟

الرئيسية مقالات
ستيفن كارتر: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

 

 

كتب كثير من المعلقين عن مايكل كريمر، الذي سمي كواحد من 3 فائزين بجائزة نوبل 2019 للعلوم الاقتصادية، حيث احتفوا – على نحو مُبرر – بعمله الرائد في دراسة الفقر، وهو كما يعتقد كثيرون منا التحدي الأخلاقي الأكبر للكوكب، إلا أن هناك ورقة بحثية مهمة كتبها كريمر في 2011، ولكن تم تجاهلها في الاحتفال الذي حظي به من قبل المعلقين بعد فوزه، وذلك على الرغم من أن هذه الورقة تساعد في إلقاء الضوء على تحدٍ كبيرٍ آخر في عصرنا الحالي: سياسة اللاجئين.
ويساعد كريمر في شرح ضغوط الهجرة التي تزعج رجال السياسة في جميع أنحاء العالم. ففي أعقاب الأزمة السورية والأزمات الأخرى، غمر اللاجئون أوروبا. وقد استجابت الأحزاب القومية لهذه القضية باللعب على مشاعر السكان لإقناعهم بأن المهاجرين يسرقون الوظائف في بلادهم، كما أنهم وعدوا بتطبيق معايير أكثر صرامة لقبول هؤلاء المهاجرين، وهو موقف ينطوي على إمكانية إلحاق الضرر بالمهاجرين الفارين من الاضطهاد. وذلك في الوقت الذي تؤكد فيه الأمم المتحدة أن عدد الأشخاص الذين يلتمسون اللجوء يصل لعشرات الملايين.
وفي الولايات المتحدة، أثرت المخاوف بشأن الهجرة على الانتخابات الرئاسية في 2016. فصحيح أنه لم يكن هناك مخاوف لدى العمال ذوي الياقات الزرقاء من تضرر أجورهم بسبب المهاجرين الاقتصاديين، ولكن في السنوات الأخيرة انتشرت مثل هذه المخاوف على نطاق واسع. وتشير بيانات الاستطلاع إلى أن المشاعر تجاه اللاجئين قد باتت تتغير، ولكن عندما يصبح الخوف من الخسارة الاقتصادية هو أساس سياسة الهجرة، فإنه من المحتمل أن يعاني اللاجئون من ذلك.
وتقدم الورقة البحثية التي جاءت بعنوان «اقتصاديات القانون الدولي للاجئين»، والتي شارك كريمر في كتابتها مع ريان بوب وديفيد إ. ليفين، نموذجاً مفيداً لشرح السبب وراء ميل السياسات الخاصة باللاجئين لأن تصبح فوضوية، وذلك حتى لو بدأ الجميع بأفضل النوايا.
ويبدأ كريمر وزملاؤه المشاركون في كتابة الورقة بالتذكير بأن الأمة التي تختار قبول المهاجرين الفارين من الملاحقة السياسية هي في الواقع توفر منفعة عامة تستفيد منها دول أخرى. وكلما زاد عدد الدول التي تقدم اللجوء، تقلص الحافز لدى الآخرين لفعل الشيء نفسه، وستظل مشكلة الراكب المجاني (يستخدم هذا المصطلح في الاقتصاد للدلالة على الفرد الذي يستفيد من المصادر أو البضائع أو الخدمات دون أن يدفع أجراً لهذه المنفعة) قائمة بين الدول، حتى لو آثرت جميع الدول اللاجئين السياسيين على شعوبها، وذلك لأن قبول اللاجئين مكلف بالنسبة إلى الدولة المضيفة. ولذا فإن الدولة التي تقبل عدداً كبيراً من اللاجئين قد تعد نفسها أفضل حالاً إذا لجأ الذين يخشون الاضطهاد إلى مكان آخر.
وهذا يخلق مشكلة، فالبلدان التي تستقبل اللاجئين السياسيين ستصبح مثقلة بالأعباء، وستعمل على تقليص عدد اللاجئين الذين تستقبلهم، ونتيجة لذلك فإنه حتى لو آثرت كل البلدان اللاجئين، فإن عدد اللاجئين الذين سيفرون من الاضطهاد في بلادهم الأصلية سيزداد.
والحل الأمثل، من وجهة نظر كاتبي الورقة البحثية، هو التعاون بين الدول المضيفة. ووفقاً لهذه النظرية، فإنه يمكن اعتبار اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين بمثابة ميثاق يقوم بموجبه جميع الموقعين، من خلال موافقتهم على قبول اللاجئين السياسيين، بتوفير المصلحة العامة بشكل مشترك، وزيادة فرص عثور أي لاجئ على بلد مضيف.
وحتى الآن، تعد هذه النظرية جيدة، ولكن المشكلة هي أنه ربما يكون من الصعب على الدولة المضيفة المحتملة معرفة ما إذا كان المهاجر يفر حقاً من الاضطهاد أو أنه يرغب في البحث عن فرصة اقتصادية أفضل، وتميل الدول إلى أن تكون أقل انفتاحاً على المهاجرين الاقتصاديين بسبب الخوف من أن تؤذي الهجرة الفرص المتاحة لمواطنيها، كما أنها تفرض عليها تكاليف اقتصادية أخرى، وهذا الخوف من قبول المهاجرين الاقتصاديين سيقلل من الرغبة في قبول اللاجئين السياسيين.
والنتيجة ستكون هي ذاتها، حتى لو رغبت أي دولة في منح اللجوء السياسي لجميع مستحقيه، فصعوبة التأكد من احتمالية تعرض مقدم الطلب للاضطهاد تعني أنه من الضروري وجود نظام للفصل في الطلبات، والخوف من قبول عدد كبير من اللاجئين الاقتصاديين سيؤدي إلى فرض تقديم مستوى عالٍ من الأدلة لإثبات أحقية الشخص في طلب اللجوء، حيث ستقوم الحكومات بتشديد معاييرها الخاصة باللجوء السياسي، والنتيجة المتوقعة هي وجود سباق نحو الأسفل، حيث يتم فيه قبول عدد أقل من اللاجئين في جميع أنحاء العالم، وهذا يؤدي إلى انهيار النظام الذي وُضِع في معاهدة 1951.
ولكن كيف يقترح كريمر، وزملاؤه المشاركون في كتابة البحث، حل المشكلة؟ الحقيقة هي أنهم يرفضون إنشاء سلطة مركزية، بحيث يكون الموقعون على الاتفاقية بشأن وضع اللاجئين ملزمين جميعاً بقراراتها. ففي الواقع، سيكون هذا الحل مستحيلاً على المستوى السياسي (وهو فكرة سيئة للغاية)، ولكن أقر كاتبو الورقة مقترحاً مهماً ظهر من قبل في التسعينات، وهو أنه ينبغي على الدول الغنية أن تدفع للدول الفقيرة مقابلاً مالياً لقبول المزيد من المهاجرين. وفي المقابل، توافق الدول الأكثر فقراً على السماح للاجئين بحرية الحركة (من دون مخيمات للاجئين)، ومنحهم الحق في كسب الرزق. وقد يحصل اللاجئون، بدورهم، على درجة من الاختيار لأي دولة سيذهبون. وفي الوقت نفسه، فإنه من خلال هذا الحل سيتم نقل الثروة من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية.
صحيح أنه في عالمنا العنيد اليوم، قد يرفض كثيرون، من اليسار واليمين على حد سواء، مثل هذا الاقتراح بكل تأكيد. ولكن بغض النظر عن وجهة نظرك تجاه الحلول المقترحة في البحث، التي يقدم المؤلفون كثيراً منها، فإن التحليل الأعمق لسبب صعوبة إصلاح سياسة الهجرة يستحق اهتماماً كبيراً. فإلى جانب عمله الذي نال عليه كريمر جائزة نوبل، هو وزملاؤه الآخرون الحائزون الجائزة، فإن الورقة البحثية المتعلقة بالهجرة تمثل مجهوداً مدروساً جاداً لاستخدام كريمر لأدواته للتصدي لتحدٍ أخلاقي ملحٍ في عصرنا الحالي، وهذه مساهمة مرحب بها كثيراً في الوقت الذي لا يزال فيه التفكير الجاد حول هذه القضية يعاني من نقص كبير في النقاش العام. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.