مشكلات الصناعة والتعامل مع التغير المناخي

مقالات
جوليو فريدمان: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

الصناعات الثقيلة غير حاضرة بشكل واضح في الحوار الخاص بالمناخ

قدّم العلماء تقارير مهمة عن المخاطر الملحّة حول تغير المناخ، وتعهد قادة سياسيون بالتصدي لهذه المشكلة، واحتشد النشطاء الشباب المعنيون بالمناخ في الشوارع وأيقظوا ضمائرنا، وكل ذلك إيجابي. من شأن الأفكار الجديدة عن السيارات التي تعمل بالكهرباء، والطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والتكيف، إثراء الحوار والنقاشات الخاصة بالإجراءات المتعلقة بالمناخ. مع ذلك هناك موضوع مهم وحيوي لم يتم الانتباه إليه كثيراً، وهو الحرارة الناجمة عن النشاط الصناعي.
لا يعد ذلك مفاجئاً، حيث يفتقر أكثر الناس إلى الخبرة والوعي بالتصنيع الثقيل مثل تصنيع الإسمنت، والمعادن، والوقود، والمواد الكيميائية، والزجاج، لذا لا يعلمون شيئاً عن آثار تلك العمليات على المناخ. مع ذلك ينبعث من تلك العمليات الصناعية 22% من انبعاثات غازات الدفيئة، والحرارة الناجمة عن النشاط الصناعي وحدها مسؤولة عن 10% منها. رغم دور الصناعات الثقيلة الرئيسي والمحوري في العالم الحديث، هي غير حاضرة بشكل واضح في الحوار الخاص بالمناخ.
إذا كنت تهتم بالمناخ فينبغي عليك الاهتمام بهذا الأمر أيضاً.
المنتجات الصناعية ضرورية من أجل البناء ومشروعات البنية التحتية والتصنيع، لكن يحتاج تصنيعها إلى قدر كبير من الحرارة؛ حرارة تتسبب في انبعاث ثاني أكسيد الكربون بدرجة أكبر مما تتسبب فيه سيارات وطائرات العالم أجمع. كذلك تأتي الصناعة الثقيلة في مرتبة متراجعة فيما يتعلق بتطوير الوسائل التكنولوجية البديلة مقارنةً بقطاع النقل. الوسائل التكنولوجية الموجودة بالفعل باهظة الثمن.
يبدأ الكثير من العمليات الصناعية بإذابة الصخور من خلال حرق وقود حفري. على سبيل المثال يحتاج تصنيع الزجاج إلى إذابة الرمال، وصبّها على قصدير مذاب. يعني ذلك استخدام مقدار كبير جداً من الحرارة ذات جودة عالية تتراوح درجتها بين سبعمائة وثلاثة آلاف درجة فهرنهايت. تلك الحرارة ضرورية طوال اليوم، وبشكل يومي لتشغيل أفران الصهر، والغلايات، وأفران الإسمنت.
يمثل منع انبعاث غازات الدفيئة الناتج عن الحرارة الناجمة عن التصنيع، أو حتى الحد منها، معضلة محيّرة. هناك بعض العمليات البديلة التي تُنتج ما يكفي من الحرارة، ومتوفرة حسب الطلب. لدى رواد الأعمال والمبتكرين أفكار جيدة عن كيفية العثور في النهاية على بديل لمصادر الانبعاثات الناجمة عن الحرارة الناتجة عن التصنيع، لكن عبارة «في النهاية» تمثل نموذج عمل سيئاً بوجه عام خصوصاً عندما تكون مخاطر التغير المناخي ملحّة.
مع ذلك ليس الأمر ميؤوساً منه، فقد ألقى مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا نظرة تفصيلية على ما يمكن القيام به. وقمت بالتعاون مع المؤلفين المشاركين بعقد مقارنة بين أكثر البدائل المتوفرة (النووية، والهيدروجينية، والوقود الحيوي، والتحول إلى استخدام الطاقة الكهربائية)، على أساس القابلية للتطبيق، والتكلفة، والتأثير البيئي. لا يزال البحث في مراحله المبكرة، لكنّ هناك بعض النتائج الجيدة في عدة قطاعات.
أولاً، التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه ضروري للحد من انبعاثات الكربون الناتجة عن التصنيع الثقيل خصوصاً الإسمنت والمعادن. يوضح تحليلنا أن ذلك أقل تكلفة من أي خيار آخر تقريباً، وكذلك أرخص كثيراً ومتاح بدرجة أكبر مقارنةً بالتسخين باستخدام الطاقة الكهربائية، أو حرق الكتلة الحيوية. كذلك تدعم هذه العملية إنتاج الهيدروجين الذي يعد واحداً من أكثر أنواع الوقود منخفض الكربون تنوعاً وقابلية للاستخدام. يتم تصنيع الجزء الأكبر من الهيدروجين، وتحديداً 95%، من خلال إعادة تكوين الغاز الطبيعي، وجزيئات البخار عند درجة حرارة مرتفعة، وهي عملية تستهلك مقداراً كبيراً من الحرارة. من الممكن التقاط ما يتراوح بين 50 و90% من ثاني أكسيد الكربون من إنتاج الهيدروجين وإبعاده عن الهواء والمحيطات إلى الأبد. ويتم ذلك بالفعل على المستوى التجاري في أربعة مواقع على مستوى العالم، وسوف تصبح ستة قريباً.
هذا الهيدروجين منخفض الكربون، الذي يُعرف باسم الهيدروجين «الأزرق»، متوفر بدرجة كافية، ويمكن استخدامه في إنتاج 4 آلاف درجة فهرنهايت من الطاقة الحرارية في الكثير من المواقع اليوم. سوف يسهم ذلك في انخفاض الانبعاثات بين عشية وضحاها، وكذا سيوفر فرص مستقبلية للهيدروجين «الأخضر»، المصنوع من طاقة كهربائية ومائية خالية من الكربون. مع انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة، وتزايد إمكانية الاعتماد عليها، يمكننا البدء في إحلال الهيدروجين الأخضر محل الهيدروجين الأزرق على أساس التكلفة والأداء والبصمة الكربونية.
هناك نتيجة تهيمن على دراستنا وهي الحاجة إلى المزيد من الخيارات الأفضل. يقتضي ذلك جدول أعمال كبيراً خاصاً بالابتكار يقوم على التخلص من الكربون الناجم عن التصنيع مع البدء بالحرارة. وقد بدأ الموضوع يجذب بعض الانتباه، فخلال جلسة استماع للجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب بشأن الانبعاثات الصناعية، دعا الكثير من الأعضاء، وكل الشهود الستة بمن فيهم أنا، إلى جدول أعمال خاص بالابتكار يتناول تحديداً الحرارة الناجمة عن التصنيع. ومن المفترض أن يمنح العديد من مشروعات القوانين في مجلسي النواب والشيوخ صلاحيات جديدة لبرامج حكومية كبرى في مجال البحث والتطوير تركز على التصنيع الثقيل، واحتياجه إلى الحرارة ذات الجودة العالية ومنخفضة الكربون أيضاً.
بالتأكيد يمكن للولايات المتحدة أن تقود العالم فيما يتعلق بذلك الموضوع، حيث لديها سجل قوي في الابتكار ومصادر هائلة من الطاقة المتجددة سواء كانت شمسية، أو حيوية، أو من الغاز الطبيعي، التي توفر مخزوناً وفيراً من الطاقة منخفضة التكلفة. كذلك يمكن للائتمان الضريبي، والبنية التحتية أن يساعدا في تحقيق نجاح على المستوى الدولي، كما حدث في مبادرة «صن شوت» الخاصة بالطاقة الشمسية، والائتمان الضريبي الخاص بتوليد طاقة الرياح.
العمل الذي يتم للحد من انبعاثات السيارات ومنشآت توليد الطاقة الكهربائية، ملهم حقاً، وضروري لكنه ليس كافياً. الحرارة الناجمة عن التصنيع هو الحد التالي المنشود، وسيكون لدى الدول التي تقود تلك الجهود خيارات، وسوف تحقق ازدهاراً في عالم به مقدار محدود مسيطر عليه من الكربون، على عكس غيرها. وسيحدد جهدنا ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتجه نحو القيام بذلك أم لا كما فعلنا من قبل. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.