“المجموعة المنشقة” داخل البرلمان البريطاني و”بريكست”

الرئيسية مقالات
مات سينغ: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

من المبكر الحكم على قدرة كتلة المستقلين في التأثير على الانتخابات البريطانية

شهدت الساحة السياسية البريطانية مؤخراً أول انشقاق في تيار الوسط منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، مع تقدم 11 مشرعاً موالين للاتحاد الأوروبي استقالاتهم من أكبر حزبين بالبلاد وتشكيلهم ما أطلقوا عليه “المجموعة المستقلة”. “كان تسعة أعضاء برلمانيون عن حزب العمال استقالوا الجمعة، لكنهم يختلفون مع أفراد المجموعة حول بريكست وبالتالي لم ينضموا إليهم”. ورغم أن عملية الانشقاق لم يكن بريكست المحرك الوحيد وراءها ـ فقد أشار المشرعون من أعضاء حزب العمال سابقاً إلى تفشي مشاعر العداء للسامية داخل الحزب كأحد الأسباب وراء قرار الاستقالة ـ فإن جميع المستقيلين يؤيدون عقد استفتاء شعبي ثانٍ حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
ومن المحتمل أن تبقى التداعيات المباشرة لهذه الاستقالات على الوضع الحسابي داخل البرلمان فيما يخص بريكست، محدودة. في الواقع، لقد انهار مستوى الانضباط الحزبي بخصوص هذه القضية تحديداً، على نحو بالغ لدرجة أن حدوث تغيير في الولاءات من غير المحتمل أن يترك تأثيراً مباشرا كبيراً. أما الاحتمال الأكبر بكثير أن تتحول هذه المجموعة المنشقة إلى حزب حقيقي وتنافس في الانتخابات، وتغير الرأي العام إزاء الأحزاب المكونة للتيار السياسي الرئيسي.
وثمة سبيلان يمكن للمستقلين من خلالهما اكتساب نفوذ كبير كحزب. أولاً: وهو السبيل الأكثر وضوحاً أن يفوزوا بمقاعد في إطار انتخابات عامة. ومع هذا، تظل الحقيقة أن الخريطة الانتخابية في المملكة المتحدة تشتهر بافتقارها الشديد إلى التسامح على هذا الصعيد، فالنظام الانتخابي المعتمد على البلديات يكافئ التركز الجغرافي للمؤيدين، ويعاقب الأصوات الموزعة بالتساوي عندما تكون حصص الأصوات الشعبية منخفضة. ولذلك فإنه على سبيل المثال عام 2015 حصد حزب استقلال المملكة المتحدة المؤيد لبريكست 13 في المائة من إجمالي الأصوات الشعبية، لكنه فاز بمقعد واحد فقط داخل المجلس الأدنى من البرلمان البالغ إجمالي عدد مقاعده 650 مقعداً.
من ناحية أخرى، فإنه لا يزال من المبكر للغاية تحديد حجم التأييد الذي يمكن لـ«المجموعة المستقلة» إذا ما شكلت حزباً أو شكل هذا الدعم. إلا أننا نعلم أن تأييد ومعارضة بريكست موزعة بالتساوي نسبياً عبر أرجاء البلاد. وكشفت استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الآن عن مستويات محتملة من الدعم لحزب جديد على مستوى مشابه لما حصل عليه حزب استقلال المملكة المتحدة، لكن تحليلا أوليا أجرته مؤسسة «نمبر كرنشر بوليتيكس» يوحي بأن مثل هذا الحزب الوليد سيحتاج إلى دعم وطني بنسبة 20 في المائة كي يتمكن من تحقيق أغلبية محلية داخل الكثير من البلديات.
ومن المحتمل أن تتركز الفرص المثلى لمثل هذا الحزب داخل الدوائر الانتخابية التي يوجد بها أكبر عدد من الناخبين المؤيدين للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، والتي تنقسم فيها الأصوات بالفعل بين الأحزاب الأخرى، الأمر الذي يقلص الحصة التي سيتعين على أي حزب جديد الفوز بها. وغالباً ما تكون هذه الدوائر في مناطق حضرية وبالضواحي وبها كثافات عالية من خريجي الجامعات وناخبين أعمارهم تقل عن المتوسط الوطني. وبالتأكيد سينتمي الكثير إلى لندن التي صوت أكثر من 60 في المائة بها ضد البريكست.
وحسب الوضع القائم الآن، فإن المشرعين الـ11 المنشقين سيواجهون معركة كبرى لمجرد أن يضمنوا الاحتفاظ بمقاعدهم في انتخابات جديدة، الأمر الذي قد يقلص بدوره احتمالية عقد انتخابات جديدة لأن أعضاء المجموعة من غير المحتمل أن يصوتوا لصالح إجراء انتخابات جديدة. وإذا دخل الحزب الجديد في تحالف مع الديمقراطيين الليبراليين المنتمين لتيار الوسط والمؤيدين للاتحاد الأوروبي، فإن مستوى الدعم المطلوب للجانبين للفوز بمقاعد جديدة سيكون مشابهاً، لكنه سيبدو أكثر احتمالاً لأن يتحقق على أرض الواقع بالنظر إلى أن الديمقراطيين الليبراليين حصلوا على 7.6 في المائة من الأصوات الشعبية داخل الأجزاء الرئيسية من البلاد عام 2017.
أما السبيل الثاني والأكثر احتمالاً للحصول على سلطة فهو من خلال ممارسة نفوذ على المواقف الوسطى للأحزاب الكبرى من خلال التهديد باستقطاب أصوات ـ أو مشرعين ـ منها. وكان هذا تحديداً السبيل الذي تمكن حزب استقلال المملكة المتحدة من خلاله دفع ديفيد كاميرون نحو عقد استفتاء حول الاتحاد الأوروبي، ذلك أنه جرى النظر إلى الحزب في ذلك الوقت باعتباره يحصد دعماً من جانب المحافظين الذين يتزعمهم كاميرون أكثر عن حزب العمال.
ومع أن هذا الافتراض اتضحت عدم صحته لاحقاً (في الواقع، جاء تأييد حزب استقلال المملكة المتحدة بالتساوي تقريباً من الجانبين)، فإن هذا الطرح يبقى مثيراً للاهتمام ومن المحتمل أن تنجح «المجموعة المستقلة» في ممارسة نفوذ مشابه على الجانب المقابل من القضية. ومن المحتمل أن يدفع ذلك الأحزاب الكبرى على دعم عقد استفتاء ثانٍ، أو إذا أخفقت في وقف بريكست، ستبدي تأييدها لإقرار علاقة أوثق بكثير مع الاتحاد الأوروبي عما يجري طرحه اليوم، مثل بناء اتحاد جمارك دائم أو الانضمام لعضوية سوق موحدة.
ومع هذا، تبقى هناك الكثير من التساؤلات دون إجابة: كم عدد المشرعين الذين سينضمون للمجموعة من أحزاب أخرى؟ بافتراض أن بريكست حدث، هل ستتبع الحركة الجديدة سياسة لمعاودة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟ وبالنظر إلى أن المجموعة تضم الآن أعضاء سابقين من حزب المحافظين، كيف ستبدو أجندتها تجاه القضايا المحلية؟
وإذا تكوَّن حزب سريعاً من رحم المجموعة، فإنه قد يواجه اختباراً فورياً، ذلك أن ثمة انتخابات خاصة على الأبواب، من المقرر عقدها في وقت ما خلال الربيع، في نيوبورت بساوث ويلز، وهي ضاحية كان آخر فوز فيها من نصيب حزب العمال بأكثر من نصف الأصوات. ونظراً لأن نتيجة انتخابات الضاحية كانت قريبة من متوسط النتيجة على المستوى الوطني، فإنها ليست المكان الذي يمكن لمرشح يعادي بريكست المنافسة فيه بسهولة. ومع هذا، فإنه حال تقديم مستوى أداء جيد، سيبقى هذا بمثابة إنجاز لافت.
ومن المحتمل أن يخلف هذا الأمر تأثيراً طويل الأمد على المشهد السياسي البريطاني ـ أو سيصبح حدثاً تاريخياً. ويوحي التحرك الأول للمجموعة الجديدة ورد الفعل العام الأولي تجاهها بأن ثمة تأييدا واسعا لسياسات الوسط بين الناخبين البريطانيين. والتساؤل الأبرز فيما يتعلق بأي انتخابات مقبلة يدور حول ما إذا كان بمقدور أي حزب استغلال هذا التأييد. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.