تونس إلى أين؟

الإفتتاحية

تونس إلى أين؟

منذ الأحداث التي هزت عدداً من الدول العربية، كانت تونس الأقل تضرراً فيها، رغم أنها مهد الاضطرابات التي سميت زوراً بـ”الربيع العربي”، وكان واضحاً منذ الأحداث التي انطلقت مع النهاية المأساوية لشاب تونسي اسمه محمد البوعزيزي، بانتحاره حرقاً، أن إرث زعيم تونس السابق الحبيب بورقيبة حاضر بقوة وفي مختلف مجالات الحياة، خاصة تلك التي ترفض الانغلاق أو التشدد أو استخدام العنف، أو فتح أي مجال للقوى التي تنتهج “الإسلام السياسي” من التغلغل في مفاصل الحياة العامة، والدليل أن الانتخابات التشريعية والرئاسية حتى حقبة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، الذي شكل حزباً تمكن خلال أقل من عامين من اكتساح حزب “النهضة” الإخواني، كون “نداء تونس” تبنى الموقف الشعبي الرافض تماماً للانزواء والانغلاق وكل ما يمكن أن يقدم عليه أي حزب ديني، فالثقافة العامة والانفتاح أبقتا تونس عصية على كل حزب يتخذ الدين أداة للاستيلاء على السلطة، لكن ما تابعه العالم في الانتخابات الأخيرة ألقى الكثير من الأسئلة التي أوصلت حزباً مثل “النهضة” للسيطرة على البرلمان، وإن تضاربت التحليلات حول الأسباب، تارة لتردي الوضع الاقتصادي وثانية لضعف المعارضة وتفككها، وثالثة للانشقاقات في “حزب نداء تونس، لكن ما يراه البعض أن كارثة وقعت وانقلاباً حقيقياً على التوجه الشعبي الراسخ لعقود طويلة قد تم.. ويُخشى أن يكون مقدمة لإعادة غلق أبواب تونس ونسج تحالفات وولاءات وسياسيات تكون ضد مساعي الشعب للتقدم وتحسين أوضاعه ومواكبة أسباب المطالب التي تحرك لأجل تحقيقها.
آخرون يرون بالتحالفات الأخيرة التي أدت إلى مثل هذه النتائج سبباً، كونها تقوم على “تزاوج” بين “التشدد والفساد” وهو ما ينذر بنتائج كارثية قد تجعل تونس ضحية تحتاج سنوات طويلة للعودة إلى ما قبل مثل هذه التحالفات المرعبة التي وإن سلخت منها جهات سيادية مثل البرلمان، لكن الخوف أكبر من تخريب نهج طويل سار عليه التونسيون وكانوا مثالاً في منطقتهم للانفتاح والتقدم والتحرر.
كانت مطالب الشعب التونسي تتمثل بتحسين الواقع المعاشي والعدالة الاجتماعية وتجفيف منابع الفساد، وليس ليكون ضحية لأعداء الانفتاح في كل مكان ، حتى وإن أُسبغت على ما حدث الأوصاف التائهة والمبررات غير المقنعة في مزاريب الدول التي تشهد تخبطاً من قبيل “ديمقراطية” و”حرية الرأي”.. هذه الحرية التي لا مكان لها لدى من أكدوا دائماً وفي كل مكان تواجدوا فيه أنهم عكس التاريخ وبدوا كمن وصل بالمظلات إلى مناصب يمكن أن تجعلهم يتحكمون بمسيرة شعب كامل ويستأثرون بقراره وإرادته على هواها.
لا يمكن السكوت في مواجهة سيطرة جنون التشدد العقائدي لأي حركة “إخوانية” وتسللها إلى أهم السلطات ، خاصة أن الفشل المؤكد بالطريق كون كل حركة تتبع ذات النهج سيطرت في غفلة من الزمن على القرار انتهت أمور العامة بنتائج كارثية، فالنهج والقناعات والأسلوب واحد في جميع المناطق التي لم تختلف فيها الجهة القابضة على القرار من حركات “الإسلام السياسي” إلا بالاسم، في حين كانت الولاءات دائماً نحو الخارج وكل ما من شأنه أن يكون معاكساً لحركة التاريخ وإرادة الشعوب.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.