لبنان.. الانتحار من الجوع

الإفتتاحية

يسقط كل نظام عاجز عن وقف انتحار عدد من مواطنيه جوعاً، فالحالة هنا ليست مؤشراً فقط، بقدر ما هي دليل على عمق المأساة التي يعانيها أي شعب وصل إلى هذه الحالة المحزنة من انعدام كل أمل بالتقدم أو تحسين الأوضاع الكارثية التي يرزح تحتها أغلب الشعب اللبناني في مواجهة سياسة عقيمة وتعطيل متعمد لمحاولات التغيير وكارثة “الدولة داخل الدولة” التي يمثلها “حزب الله” الإرهابي وأوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم.

لبنان الذي كان يوماً من أكثر دول المنطقة تقدماً، لا يزال المواطن فيه بعد 30 عاماً على وضع الحرب الأهلية أوزارها يحلم برغيف الخبز بكرامة، وهو بات بين خيارين إما السفر، أو البقاء وتحمل عقم النظام السياسي وطائفيته المقيتة والفساد والترهيب من العودة إلى سنوات الحرب الكارثية، في حين يستمر تراجع المستوى المعاشي لدرجة بات الشارع الذي طالما حاولوا إسكاته من باب الحزبية والطائفية عصياً على المزيد من الصبر والتحمل وتمديد الأزمات دون حل، وبينت الاعتصامات الشعبية العارمة أن المطالب واحدة وأن التوجه ذاته بين الجميع لإنهاء النظام السياسي برمته والذي بات هزيلاً لكونه لم يعد صالحاً لزمنه ولا يزال يعيش حسابات الماضي وطقوسها السياسية القائمة على الوراثة والإقطاعية والتحزب، في حين كان الشارع الذي لا يميز الجوع فيه بين أي من شرائح المجتمع ويتأثر الجميع بالمستوى الاقتصادي المتردي، متوحداً في مواجهة زعامات انكشفت حقيقتها ولم تعد قادرة على إسكات الأمعاء الخاوية التي تصرخ ولا يمكن أن تتحمل أكثر.. وكانت قمة المآسي فيها أن حالات الانتحار تتوالى تباعاً في لبنان، وخلال أيام قليلة انتحر شاب تقطعت سبل الحياة أمامه، وحاولت امرأة أن تحرق نفسها، وبدا البلد الذي كان يوماً يُكنى بـ”سويسرا الشرق” كأنه إحدى البلدان التي ضربها الجفاف وجعل الجوع واقعها الوحيد، ولم يعد الـ”بوعزيزي” محرك انتفاضة تونس قبل سنوات وحيداً .. فلبنان بات حالة ثانية تتشابه فيه الظروف والأوجاع والآلام والفساد وانعدام الآمال .. وهي جميعها مقدمات تقود من تحل به إلى اليأس وتكون كفيلة باستنساخ النهايات المأساوية جراء تحول رغيف الخبز إلى حلم، في الوقت الذي يستمر فيه التنظير وغط الطبقة السياسية في سبات عميق أمام شارع يغلي ويعبر كل من فيه عن مدى الألم الذي حل بالجميع وأن الكراسي التي شكلت هاجساً للسياسيين ليست أهم من الشعب الذي يتضور جوعاً ويصرخ بأعلى صوته ألماً.

 

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.