مستقبل التغييرات المناخية رهن السياسات الصينية

الرئيسية مقالات
ديفيد فيكلينغ: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

 

 

 

رغم كل النيات الحسنة التي أظهرتها الحكومات التي اجتمعت في مدريد، ثمة حقيقة بسيطة تخيم بظلالها على أحدث المؤتمرات المعنية بالتغييرات المناخية: فاعلية ما سيجري الاتفاق عليه وتنفيذه ستعتمد في نهاية الأمر على السياسات التي ستنتهجها دولة واحدة؛ الصين.
في الواقع، لقد كان صعود الصين، وبدرجة أقل الهند، وما ترتب على ذلك من احتياجات في مجال الطاقة، العنصر الرئيسي الذي تجاوز تأثيره الإجراءات التي اتخذتها الدول الأغنى لتقليص انبعاثاتها الكربونية. ومع هذا، يقتضي الإنصاف القول إن الجهود الصينية القائمة منذ أمد طويل بمجال تنمية مصادر الطاقة المتجددة أسهمت في جعل طاقة الرياح، وعلى وجه الخصوص الطاقة الشمسية أرخص تقنيتين مولدتين للطاقة في كل مكان تقريباً.
تكشف الأرقام أن العالم كانت كميات الانبعاثات الكربونية الصادرة عنه ستصبح ثابتة منذ عام 2007 لولا الزيادة الهائلة المقبلة من الصين والهند.
من جهته، أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ في خطاب ألقاه العام الماضي، أن مكافحة التلوث والتردي البيئي واحدة من «المعارك الثلاث الصعبة» التي يجب أن تخوضها البلاد، بجانب مواجهة المخاطر المالية ومحاربة الفقر. على الجانب الآخر، أشاد رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ خلال لقاء جمعه في وقت قريب بعدد من المسؤولين البيروقراطيين بمجال الطاقة، بالفحم مصدراً للطاقة.
وربما يكمن التساؤل الأكبر اليوم الذي سيحدد مصير كوكبنا في أي من الفريقين ستكون له الغلبة في رسم سياسات الطاقة للصين في إطار الخطة الخمسية الـ14 للبلاد، التي من المقرر أن تبدأ عام 2021. وبالنظر إلى أن مشروعات تنمية الطاقة بالاعتماد على الفحم في الصين تكافئ جميع مشروعات طاقة الفحم العاملة في أوروبا، لا تبدو المؤشرات الأولى مبشرة.
إلا أنه فيما وراء هذه المشروعات الرفيعة المستوى، ربما ثمة واقع أكثر إيجابية يتكشف على الأرض، ذلك أن التغيير الأكبر في قطاع الطاقة الصيني والجاري حالياً بالفعل يكمن في التحول بعيداً عن النظام الحالي الذي تفرض الحكومة في إطاره الأسعار وقدرة توليد الطاقة، باتجاه نظام أكثر ارتباطاً بالسوق، حيث يجري تحديد أسعار الكهرباء تبعاً لعوامل العرض والطلب، بينما تتنافس جهات توليد الكهرباء فيما بينها على توفير التكلفة الأدنى.
والملاحظ أن خيارات الطاقة المتجددة تتمتع ببعض المزايا المهمة، ذلك أنها تشكل بالفعل السبيل الأرخص لبناء قدرة جديدة لتوليد الطاقة عبر الصين. وفي كثير من المناطق، تأتي الطاقة المولدة من الرياح أدنى من تكلفة الطاقة من جهات توليد الطاقة من الفحم القائمة بالفعل، تبعاً لما أوضحه جوناثان لوان، المحلل لدى «بلومبرغ إن إي إف». في مثل هذه المناطق، فإن الخيار الأكثر ربحية أمام المرافق قد يكون إغلاق محطات توليد الطاقة الحرارية والاستعاضة عنها بمزارع الرياح.
المؤكد أن هذه ليست مجرد ظاهرة هامشية، فتبعاً لما أوضحه لوان في تحليله، فإن المناطق التي تبلغ تكاليف طاقة الرياح فيها حالياً مستوى أقل عن السعر المحدد لطاقة الفحم، تتضمن مناطق ساحلية صينية مزدهرة من لياونينغ وهيبي في الشمال حتى غواندونغ وجوانغشي في الجنوب، باستثناء مدينتي بكين وتيانجين. ورغم أن الطاقة الشمسية لم يتم تضمينها في تحليل لوان، تظل الحقيقة أن تكاليف تنميتها على مستوى البلاد أقل حتى عن طاقة الرياح.
بيد أنه للأسف الشديد لا يعني ذلك أن محطات توليد الطاقة باستخدام الفحم ستغلق أبوابها على الفور، وذلك لأسباب عدة؛ منها أن السلطات المحلية هي المسؤولة عن اتخاذ قرار عقد مناقصة لبناء محطة توليد طاقة. وبالتالي، فإن هذه السلطات قد تكون لها مصلحة قوية في دعم هذه المحطات. وفي المناطق التي تكون فيها طاقة الفحم مسببة لخسائر مالية، فإن مصادر الطاقة المتجددة ربما تشكل خياراً جذاباً. وفي مناطق أخرى، ربما تفضل الحكومات المثقلة بالديون الإبقاء على المحطات القائمة عاملة إذا كان ذلك يعني تجنب توقيف تشغيلها تماماً، حتى لو كان ذلك يعني تحميل المستخدمين تكلفة أكبر – إلا إذا تدخلت بكين لتفرض الأمر فرضاً.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن الأسعار المحددة للفحم ربما تبدأ في التحرك مع تحرير سوق الطاقة الصينية. ويوجد كثير من هذه الأسعار بالفعل اليوم فوق المستويات التي تحتاج إليها المحطات لتحقيق أرباح، ولذلك ينبغي تحركها نحو مستويات أدنى بمرور الوقت، الأمر الذي سيقلص فجوة الهامش مع مشروعات الطاقة المتجددة.
ما يزيد الأمور تعقيداً أنه سيجري التحول باتجاه أسعار غير ثابتة، وإنما تتقلب ما بين الليل والنهار، حسب حالة الطلب. وعادة ما تقلص هذه الديناميكية ربحية مصادر الطاقة المتجددة، مع اجتياح الطاقة الشمسية السوق خلال منتصف النهار وعجزها عن استغلال الفترات المربحة في المساء التي يكون خلالها الطلب قوياً.
ورغم كل الأرقام المثيرة للقلق المرتبطة بخطط مشروعات طاقة الفحم في الصين، فإن الشكوك المحيطة بطبيعة سياسة الطاقة التي ستنتهجها بكين خلال السنوات القليلة المقبلة ربما تمثل المخاطرة الكبرى أمام الأهداف المحددة دولياً على صعيد مكافحة التغييرات المناخية.
وكي يظل العالم في طريقه نحو إبقاء ارتفاع درجات حرارة الكوكب أقل عن درجتين مئويتين، فإنه يتعين إسراع وتيرة بناء محطات توليد طاقة متجددة في الصين، لكن المشكلة الكبرى أن الصين ستحتاج إلى بناء هذه المحطات بمعدلات هائلة خلال السنوات الخمس المقبلة، إذا رغب العالم في تجنب ارتفاع درجات حرارة الكوكب أكثر من درجتين مئويتين. ويعني ذلك بناء محطات طاقة شمسية بمعدل ضعف ما تحقق خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومحطات طاقة رياح بمعدل 3 أضعاف ما جرى تشييده خلال الفترة ذاتها. ورغم أن تراجع تكلفة مصادر الطاقة المتجددة تجعل من ذلك هدفاً قابلاً للإنجاز، فإن الهيكل التنظيمي الصيني المتصلب يشكل عقبة كبرى بينما لم يعد لدينا – نحن سكان الكوكب – أي وقت لنهدره. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.