أثر خالد

بتاريخ: 2018-08-06



أثر خالد   كان من كبار حكام الهند، تعددت زيجاته؛ إلا أن واحدة منهن كانت أقربهن مودة؛ فقد تزوجا وهما بالكاد طفلان، وسارا في رحلة الحياة معاً يتجاوران لا يفترقان، حتى في أحلك معاركه تراها إلى جانبه، فهو لا يطيق لها فراقاً، إنهما صورة صادقة للتعايش الحي؛ فكأنهما روحان في جسد واحد. إنه "شهاب الدين محمد شاه جهان" وزوجته "ممتاز". إلى جوار هذا الحب الكبير ؛ فقد كان شاه جهان عظيم الحظ فهو يسيطر على إمبراطورية ممتدة وثروة متنامية، وفن معماري مشهود. ولكن القدر قد حاك له ما لم يكن متوقعاً؛ ففي إحدى معاركه والتي رافقته فيها زوجته "ممتاز" دار الزمن دورة انتقلت فيها "ممتاز" إلى بارئها. مزقت الصدمة قلب الشاه فقدَ معها معنى الحياة، وقد دعا وألح في الدعاء أن يأخذه الله ليصحبها إلى عالم الموت، ولكن دون طائل، وأصبح كل شيء عدماً بالنسبة له؛ فقد رحلت روحه ومات قلبه، أما جسده فما زال موجوداً، وقد عجز الأطباء والأصدقاء والروحانيون عن علاجه. وانطلاقاً من هذا اليأس عزم الشاه على بناء نصب تذكاري لحبه الراحل يشد أبصار الناس ليشهدوا الحب مجسداً في هذا البناء وقد أسماه "تاج محل". سارع المعماريون والمهندسون والخطاطون والخبراء ليستجيبوا لأوامر الشاه ببناء أعظم أثر يعكس أعظم حب عرفه الزمان، وإن التاريخ يذكر أن حوالي عشرين ألف رجل من كافة أنحاء الهند وفارس وتركيا شاركوا في هذا البناء الخالد وعلى رأسهم الشاه نفسه الذي قيل أنه رسم المخططات والتعديلات مع معماري البلاط الحاكم. ويذكر التاريخ أن فيالق الأفيال كانت تحمل أطنان الرخام الأبيض الشفاف، وقد نسجت عليها آيات القرآن بحروف سوداء، كما ازدان الرخام بالبلور والفيروز والياقوت الأزرق والعقيق الأحمر وأنواع بديعة من الأحجار الكريمة. ووفقاً للحسابات فقد استغرق البناء اثنين وعشرين عاماً بتكلفة تقدر بمئات الملايين بحسابات زماننا الحالي. ويقضي الشاه جهان سنواته الأخيرة محدد الأقامة محدق النظر عبر نافذته على معبد الحب، وعندما مات وضع ابنه جسده إلى جوار "ممتاز" أسفل قمة القبة جنباً إلى جنب ليجتمعا معاً مرة أخرى. ولقد انتوى شاه جهان أن يبني لنفسه مكاناً مشابهاً لتاج محل يكون من الرخام الأسود يعكس مدى حزنه وفقدانه لحبه الخالد الذي رافقه طوال السنوات التي عاشها بعد موت حبه، ولكن القدر لم يمهله. إن شاه جهان أراد أن يهزم الموت عبر المعمار البديع لينحت في الحجر قصيدة حب خالد وإعجاب مصبوغ بالحزن الساكن في أعماق قلبه الذي مزقه الموت ولوّعه الفراق.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن