عامانِ على رحيلِكَ أيّها الحاضرُ في الروحِ

بتاريخ: 2019-01-10

عامانِ على رحيلِكَ أيّها الحاضرُ في الروحِ   عامانِ رحلا من عمري في غيابِكَ بعدما رحلْتَ إلى ملكوتِ الله، عامانِ يا حبيبي ورفيقَ عُمري الذي حملَ رايةَ الشهادةِ في سبيلِ الله، عامانِ خِلْتُهما دهرًا، وأنا منصهرةٌ بالآلامِ والذكرياتِ، كنتَ معي فيهما كما أنتَ دائمًا، أراكَ في كتبي تُتابعُ بعينيكَ كلماتِها؛ فأُحِسُّ بأنفاسِكَ قريبةً مني، وأُصغي لندائِكَ قادمًا مِن بعيدٍ يُلامسُ نياطَ قلبي، يا مَنْ رحلتَ على عجل. أسترقُ السمعَ لصدى صوتِكَ الدافئِ هاتفًا في داخلي، تسألُني عن حالي وعن أطفالِنا كما كنتَ دائمًا، ها أنا أجوبُ ردهاتِ البيتِ وغرفِهِ، في ذكرى رحيلِكَ الثّانيةِ، أفتشُ عن لاشيءَ كمن يجوبُ في متاهةٍ، كأني بكَ تراقبني في كلّ ركنٍ من أركانِ البيتِ الذي ملأتَهُ ذاتَ يومٍ بحنانِكَ، فكنتَ لنا ينبوعَ حُبّ ومصدرَ إلهامٍ، فتحاولُ إرشادي كما كنتَ تفعلُ دائمًا، قبل أن تحملَ حقائبَ رحيلِكَ الأبديّ وتمضي بعيدًا، تاركًا لنا صوتَكَ كالصدى يرِنُّ في آذانِنا بين حينٍ وآخرَ. ها أنا أصحو على أذانِ الفجرِ حيثُ يجمعُ الليلُ بقايا ظلمتِهِ قبلَ أن يرحلَ، فأسمعَ همهماتِكَ وأن تستعدَّ للصلاةِ، حتى إذا أزفَ وقتُ الفطورِ مع أطفالِنا، أراكَ تجلسُ على كرسيّكَ المفضلِ ترمقُنا بعينيكَ اللّتينِ تشعّانِ طيبةً وعطفًا، وأنتَ تصبُّ الحليبَ في كأسي الطفلينِ كعادتِكَ، وبحنانِكَ الذي أغرقتَنا في بحارِهِ، وتهمسُ لي بأن أتناولَ الطعامَ أيضًا، وكأنني تلكَ الطفلةُ المدلّلةُ الّتي احتواها صدرُك، فكنتَ منبعَ الحبّ والحنانِ بكلّ ما في تلك العباراتِ من معنى. في كلّ زاويةٍ في البيتِ أراكَ يا حبيبي الراحلَ روحًا لا تغيبُ، وفي الطرقات التي أسيرُ فيها، ألامسُ يدَكَ، وهي تحتضنُ يدي كعصفورٍ صغيرٍ، وقع في قبضةِ طفلٍ، فتنتابني إغفاءةُ عابرةٌ، ونشوةٌ تحملُني إلى رحابِ السنينِ الراحلةِ حينما كنتَ معي؛ فأعودُ بالذاكرةِ إلى تلكَ السنينَ التي قضيناها معًا، كأنها شريطٌ سينمائيٌّ، حتى إذا صحوتُ على حقيقةِ رحيلِكَ المؤلمةِ احتضرتِ الكلماتُ في فمي، وكأني لم أقتنعْ به بعدُ، وينتابني شعورُ الانتظارِ ولسانُ حالي يردّدُ ما قاله الشّاعرُ يومًا : لا تبكيه فاليومَ بدءُ حياتهِ إن الشهيدَ يعيشُ يوم مماتهِ أختنقُ بالعباراتِ التي أرتّـبُها عن رحيلِكَ، وتسبقُها العبراتُ، وأنا ألمسُ فقدانَكَ في كلّ مكانٍ وفي كلِ زاويةٍ من زوايا البيتِ، حتى الزهيراتُ تبدو حزينةً في أصصِها الفخاريةِ التي كنتَ تسقيها بالماءِ، وقد تحولتْ قطراتُ الندى على أوراقِها إلى دموعٍ، فعامانِ من الغيابِ أدمتْ أفئدتَنا، واستوطنَتْ في القلبِ غصةٌ وحزنٌ كبيرٌ، لكنَّ عزائي الوحيدَ في غيابِكَ، أنك رحلتَ إلى جوارِ ربِكَ مضرجًا بدماءِ الشهادةِ الطاهرةِ في سبيلِ اللهِ والوطنِ، وأيّ تضحيةٍ أكبرُ من الموتِ في سبيلِ اللِه والوطنِ ؟ ماذا أقولُ لكَ في ذكرى رحيلِكَ الثانيةِ ؟ هل أخبرُكَ بأنّ دموعي لم تجفّ بعدُ، وأنت الذي تسكنُ عقلي وترافقني كظلّي أينما ارتحلتُ ؟ أم أخبرُك بآلامٍ وجدتْ مكانَها في الروحِ والجسد ؟ وأنت الذي تلامس بكفيك جبيني- وأنا في الحلم دائمًا - فأشتمّ رائحةَ عطرِكَ الرجاليّ ورائحةَ البخورِ التي كنتَ تحبّها. يأتي الموتُ فجأةً من دونِ مقدّماتٍ؛ فيسرقَ منّا الفرحةَ والسّعادةَ ويخطفَ منّا أحبّتَنا، يأتي الموتُ فيحيلُ حياتَنا صحراءَ قاحلةً بلا أزهارٍ ولا ملامحَ ولا ألوانٍ، هذا هو حالُنا مع فراقِكَ يا حبيبَ العمر، الغائبَ والحاضرَ فينا . أراكَ مع إشراقةِ صباحاتِ الصيفِ، فتصلُني همساتُكَ مع نسَماتـِها المنعشةِ، وأنتَ تطمئنُّ عن طفلينا اللّذيْنِ أربّيهِما على تلك المبادئِ والقيمِ التي رحلتَ من أجلِها مسربَلًا برداءِ الشهادةِ، تسألني مرّاتٍ ومرّاتٍ عن أحوالِنا وكأني بكَ تحسُّ ما نعانيهِ من مرارةٍ وألمٍ، لكنّني رغمَ مايلفُّني من الحزنِ لرحيلِكَ لن تجدَ مني إلا تلكَ الأمَّ التي آلتْ على نفسِها إلا أن تكونَ كما عهدتَ، أزرعُ في أبنائِك َكلَّ ما أحببتَهُ من صفاتٍ وسجايا في حياتِكَ. يا حبيبي الراحلَ المقيمَ فيَّ، نمْ مستقرَّ العينِ، فما حملتَهُ من أمانةٍ لن أستريحَ إلا بعد تحقيقِهِ، وإلاّ فلا يليقُ بي ما حملْتُه من شرفِ اسمِ زوجةِ الشهيدِ، نمْ يا حبيبَ العمرِ مطمئنَّ البالِ، فبلادُنا المعطاءةُ التي قدّمتَ دماءَكَ رخيصةً في سبيلِ اللهِ وفي سبيلِها، تعرفُ معنى الشهادةِ والشهداءِ، ومجتمعُنا هذا الحضنُ الدافئُ الذي يحتوينا، على رأسِهِ قيادةٌ أمينةٌ ومخلصةٌ، أمّا نحنُ زوجاتِكم أيُّها الشهداءُ الّذين أنَرْتـُـمْ بدمائِكُم الزكيةِ حياتَنا، فليسَ منا أكثرُ افتخارًا وشموخًا بما قدمتموه لهذا الوطنِ الغالي. وما رسالتُنا في الحياةِ إلا استمرارًا لرسائلِكُم التي ضرّجتُموها بالدم الزكيِّ في سبيلِ اللهِ والوطنِ والقيمِ الإنسانيةِ التي حملْتُموها، والتي تميّزَ بها وطنُنا الحبيبُ، بفضلِ قيادةٍ حكيمةٍ ومؤمنةٍ، جعلتْ من هذا الوطنِ واحةً للحبّ والأمانِ، وموئلَ خيرٍ وعطاءٍ. فلترقدْ - ياحبيبي ورفيقَ دربي - روحُكَ بسلامٍ وأنتَ في رحابِ الخالقِ، ولْتنعمْ بجِنانِ الخُلْدِ بعدما أهديتَ للحياةِ أبناءً همُ الغصنُ الّذي سيبقى مزهرًا بعدَ أن سقيتَه بماءِ الوطنيةِ والتضحياتِ.     nooraalhosani0@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن