زوكربيرغ وقواعد التعبير الجديدة

بتاريخ: 2019-04-20



    أثارت جهود بريطانيا لتنظيم المحتوى عبر الإنترنت موجة غضب متوقعة حول جهود الرقابة، لكن الغريب أن الأمر لاقى قبولاً طيباً من جانب أباطرة التكنولوجيا، لأنه ببساطة يشتت الأنظار بعيداً عن مشكلة أكبر تتعلق بجوهر النموذج التجاري الذي يعتمدون عليه. وتأتي "الورقة البيضاء المعنية بأضرار الإنترنت" التي نشرت الاثنين الماضي، في إطار الجهود الرامية لكبح انتشار مواد خطيرة عبر الشبكة، مثل التحريض على الإرهاب. وقد اقترحت الورقة فرض "غرامات كبيرة" على كل من الشركات والمسؤولين التنفيذيين الذين يخترقون "واجب الرعاية المنصوص عليه قانوناً»، بحيث يجري تنفيذ فرض الغرامات من قبل جهة تنظيمية جديدة. وكما لو أن هذا ليس كافياً، ستتولى الجهة التنظيمية الجديدة العمل على "ضمان إبقاء التركيز على حماية المستخدمين من الأذى - وليس إصدار أحكام بخصوص ما هو صائب، وما هو ليس كذلك". وقد أثار القانون الجديد موجة تنديدات عارمة من منظور حماية حرية التعبير. ومع هذا، ينبغي ألا نبالغ في رد الفعل، فهي في نهاية الأمر تبقى مجرد «ورقة بيضاء»، وليس مشروع قانون، ناهيك عن أن تكون قانوناً. تطرح الورقة مجموعة من التساؤلات، بجانب إجابات. وتتضمن الورقة على وجه التحديد 18 سؤالاً وإجابة، بهدف توجيه المشاركين في مشاوراتهم التي من المقرر أن تنتهي في يوليو (تموز). وليس ثمة سبب يدعو للاعتقاد بأن النتيجة ستقوض حرية التعبير. على سبيل المثال، تطرح منظمة العفو الدولية حدوداً واضحة للقيود المشروعة على حرية التعبير. ومع ذلك، فإنه إذا جرى إجبار أباطرة وسائل التواصل الاجتماعي على اتخاذ قرارات صعبة مع تعرضهم لعقوبات صارمة إذا اتخذوا مساراً خاطئاً، فإنه من الطبيعي أن يتوقع المرء بعض الغضب من وادي السيليكون، خاصة إذا سلكت حكومات أخرى حول العالم مسلك الحكومة البريطانية. لكن ذلك ليس عدلاً؛ حيث إن مؤسس «فيسبوك» نفسه طالب بسنّ مثل هذا النوع من القوانين، وهو ما طالب به المدير التنفيذي للشركة مارك زوكربيرغ، في مقال نشره الشهر الماضي. في الحقيقة، من شأن ذلك أن يسهل عمله، فبدلاً من أن يحكم عليه الرأي العام فيما يخص المحتوى المقبول وغير المقبول، سوف تنحصر مسؤوليته في التقيد بالقوانين التي تحددها الحكومة. ستعمل هذه القوانين كذلك على تشتيت الأنظار بعيداً عن شيء يعتبره المشرعون في غاية الأهمية، وهو أباطرة التكنولوجيا والشركات العملاقة، لأن غالبية أموالهم، إن لم تكن كلها، تأتي من الإعلانات، والقضية الأهم بالنسبة لهم هي ما إذا كان مجال تغطيتهم بات غير قابل للمنافسة. تمكنت الشركات من خلق دائرة دائمة النمو والاتساع، باتت معها زيادة أعداد المستخدمين تعني زيادة في الإعلانات، يجرى من خلالها تمويل منتجات جديدة، تجذب مزيداً من المستخدمين، ومعها مزيد من الإعلانات، وبالتالي مزيد من العائدات... إلخ. ولسوء الحظ، فإن عمليات الاستقطاب ونشر التعليقات والمقاطع المصورة غير الحقيقية، باتت الوسيلة المؤكدة لاجتذاب مزيد من الناس، ومزيد من التواصل، وهو ما عكسه مصطلح «الأخبار الكاذبة - فيك نيوز» الذي ابتكره الصحافي بموقع «بزفييد» كريغ سيلفرمان عام 2016. إن مواقع مثل «فيسبوك» و«يوتيوب» اللذين تمتلكهما شركة «غوغل» تتحصل على كثير من المال لعرضهما منشورات ومقاطع مصورة تجتذب المشاهدين، رغم ما يتضمنه ذلك من أضرار في بعض الأحيان. لقد ساعدت العلاقة بين المشاركة والعائدات هاتين الشركتين على تعزيز مكانتهما في سوق الإعلانات عبر الإنترنت. إن تفكيك العلاقة بين المشاركة والعائدات أمر معقد، ليست له حلول واضحة وآنية يمكن اللجوء إليها على الفور، وإلى أن يتأتى ذلك فإن أفضل حل مؤقت أمام الحكومة هو التدخل لعلاج مشكلة المحتوى الضار، غير أن تطوير عملية تنظيم الخطاب ستكون مثيرة لكثير من الجدل، وسوف تشتت الانتباه بعيداً عن القضية الجوهرية، وهي ما إذا كان التدخل الحكومي سيقيد صناعة الإعلانات التجارية عبر الإنترنت بدرجة كبيرة، وكيف ستسير تلك العملية. إن ما تقدمه «غوغل» و«فيسبوك» من عروض تجارية أشبه بالصندوق الأسود الذي يدخل فيه المال والحملات الدعائية، ويخرج منه الزبائن الجدد، فهل ينطوي ذلك على منافسة غير عادلة؟ وهل يؤدي ذلك إلى استبعاد الشركات الجديدة الراغبة في دخول السوق؟ يتمتع ديبان غوش بفهم أعمق من غيره لتلك القضايا، نظراً لعمله مستشاراً لشؤون التكنولوجيا في إدارة الرئيس باراك أوباما، ولاحقاً في إدارة السياسات بموقع «فيسبوك». فقد عبر غوش عن ذلك بقوله إن «شيئاً لن يتغير فيما يخص اعتدال المحتوى، وفي إلقاء المسؤولية على عاتق تلك الشركات، إلا إذا أبعدنا المسؤولية عن كاهل (فيسبوك)». من المهم هنا القول إن آخر ما تتطلع إليه «فيسبوك» و«غوغل» هو تعيين مسؤول حكومي يتحكم في إدارة إعلاناتهما، لكن المطلوب هو تعيين جهة تضطلع بمسؤولية تحديد معايير المحتوى. إعداد "الشرق الأوسط"

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن